للزي العسكري دلالته في الوجدان الأردني؛ فهو يستحضر تاريخ الجيش العربي وتضحياته في حماية الوطن وصون سيادته. غير أن دلالة حضور الملك في هذه اللحظة تتجاوز رمزية الزي إلى طبيعة الموقف نفسه؛ فالقيادة تكون أقرب إلى الناس حين تحضر في لحظات الألم، وتؤكد أن أمنهم وكرامتهم في صميم مسؤوليتها.
وجاءت تغريدة جلالة الملك واضحة وحاسمة: "سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات. ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا. جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين. دم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذه البلد".
لم تكن الكلمات مجرد إدانة للجريمة، وإنما تأكيد أن الإرهاب لن ينجح في تحويل اختلاف الأردنيين إلى مدخل للفرقة. فالاعتداء قد يستهدف أشخاصًا أو مكانًا، لكن غايته الأخطر تكمن في محاولة المساس بالثقة التي تجمع أبناء الوطن، والنيل من حقيقة أنهم شركاء في الأرض والمصير، مهما اختلفت معتقداتهم.
وفي موازاة الموقف الملكي، جاء إعلان الحداد العام في المملكة لمدة ثلاثة أيام وتنكيس الأعلام فوق المؤسسات الرسمية تعبيرًا عن حزن وطن كامل، وتضامنًا مع أسر الضحايا. فالعلم الذي يرمز إلى سيادة الدولة وكرامتها نُكّس حدادًا على أرواح أبنائها، في مصاب لم يعد محصورًا في الكرك، وإنما أصبح وجعًا أردنيًا جامعًا.
إن استهداف كنيسة لا يقتصر أثره على أبناء طائفة بعينها؛ وإنما يمسّ حق الأردنيين جميعًا في الأمن والعبادة والكرامة. فالمسيحيون الأردنيون شركاء أصيلون في تاريخ الدولة وبنائها، كما أن المسلمين وسائر أبناء الوطن شركاء في مسؤولية حمايتها. وهذه الشراكة ليست شعارًا يُستدعى عند الأزمات، وإنما حقيقة وطنية تقوم عليها الدولة، ولا تستطيع جريمة مهما بلغت قسوتها أن تنتزعها.
وتبقى مواجهة الإرهاب مسؤولية تتجاوز ملاحقة مرتكبيه وتطبيق القانون؛ فهي تتطلب أيضًا منع الجريمة من تحقيق غاياتها في بث الخوف وإثارة الفتنة وإضعاف الثقة بين المواطنين. فالدولة القوية تواجه الجريمة بحزم، وتحفظ الحقوق، وتترك للعدالة أن تأخذ مجراها، فيما تقع على المجتمع مسؤولية حماية وحدته وعدم السماح للشائعات والتحريض بأن يمنحا المعتدين امتدادًا يتجاوز فعلهم.
وللكرك مكانة في الذاكرة الأردنية، بما تمثله من تاريخ وطني ومشاركة أصيلة في بناء الدولة والدفاع عنها. وما جرى فيها لا ينبغي أن يتحول إلى شرخ في علاقة الأردنيين بعضهم ببعض، وإنما إلى تأكيد جديد أن أمن المواطن وكرامته لا يتغيران باختلاف دينه أو معتقده، وأن وحدة المجتمع جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني.
إن حضور جلالة الملك، وتغريدته، وإعلان الحداد وتنكيس الأعلام، تتكامل في دلالتها؛ فالقيادة تؤكد موقفها، والدولة تعبّر عن حزنها، والمجتمع يتمسك بما يجمع أبناءه. وفي ذلك معنى يتجاوز تفاصيل الحادث إلى مسؤولية حماية الوطن من الجريمة ومن آثارها، وترسيخ الثقة بالقانون والمؤسسات.
حين يحضر الملك، تتجلى الدولة في مسؤوليتها عن الإنسان، وفي حزمها تجاه من يهدد أمنه، وفي تمسكها بوحدة أبنائها. وحين تُنكّس الأعلام، يحزن الوطن على ضحاياه، وتبقى ثوابته عصية على النيل منها. تلك هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى من الكرك: أن دم الأردني غالٍ، وأن العدالة واجبة، وأن مسؤولية الدولة لا تقف عند حماية سيادتها، وإنما تمتد إلى صون وطن يتسع لجميع أبنائه، ولا يسمح للإرهاب بأن ينال من وحدتهم.