عندما أتابع مذيعي الذكاء الاصطناعي، لا أستطيع في البداية أن أميّز بسهولة بينهم وبين المذيعين البشر. الملامح متقنة، والأصوات محسوبة، والابتسامات جاهزة، ونبرة الحديث توحي بثقة لا تتزعزع. لكن المفاجأة الحقيقية لا تكمن في أن الآلة أصبحت تشبه الإنسان، بل في أنها استطاعت أن تشبه بعض المذيعين بكل ما في أدائهم من رتابة وتكرار وأسئلة مستهلكة. وهنا لا يعود السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقليد المذيع، بل لماذا أصبح بعض المذيعين سهلَي التقليد إلى هذا الحد؟
المذيع المحترف ليس وجها جميلا أمام الكاميرا، ولا صوتا جهوريا يتقن نطق أسماء المسؤولين، ولا شخصا يحفظ مقدمة طويلة ثم يوزع الأسئلة على ضيوفه كما لو أنه يقرأ قائمة مشتريات. المذيع الحقيقي عقل يحلل، وفضول يشكك، وشخصية تتفاعل، وقدرة على التقاط ما يختبئ خلف الكلمات. أما حين يتحول التقديم إلى أداء ميكانيكي، تتكرر فيه الحركات والنبرات والأسئلة، فإننا لا نكون أمام مهنة إعلامية بقدر ما نكون أمام عرض يمكن برمجته.
تأملوا الأسئلة التي تتكرر في البرامج السياسية: «إلى أين تتجه الأمور؟»، «كيف تقرأ هذه الخطوة؟»، «ما السيناريوهات المتوقعة؟». أسئلة تصلح لكل الحروب والأزمات والانتخابات، ويمكن نقلها من حلقة إلى أخرى من دون أن يلاحظ أحد اختلاف الموضوع، وربما من دون أن يلاحظ الضيف نفسه أنه سمع السؤال ذاته قبل أيام. ثم تأتي المقدمة التي تستنزف دقائق من وقت المشاهد، والتعليقات التي تعيد ما قاله الضيف، والخاتمة التي لا تضيف شيئًا سوى الإعلان عن نهاية الحلقة.
ليست المشكلة في هذه الأسئلة بحد ذاتها، بل في أن بعضها أصبح بديلًا عن التفكير. فالمذيع الذي لا ينصت إلى الإجابة، ولا يلاحق تناقضاتها، ولا يواجه ضيفه بما قاله قبل دقائق، لا يدير حوارا، إنه ينتظر دوره في قراءة السؤال التالي. وهذه، على الأرجح، مهمة تستطيع الآلة تنفيذها من دون الحاجة إلى استوديو أو راتب أو استراحة إعلانية.
الأكثر سخرية أن المذيع الاصطناعي قد يبدو أحيانًا أكثر انضباطا من نظيره البشري. لا يتعثر في الكلام، ولا ينسى الانتقال بين الفقرات، ولا يبتلع الكلمات حين يضيق الوقت. لكنه قد يرث أيضا عيوب النموذج الذي يقلده: أسئلة محفوظة، ومقدمات مكررة، وثقة زائدة، ومعلومات قد تكون خاطئة. وهكذا لا نكون بالضرورة أمام إعلام أكثر ذكاء، بل أمام نسخة آلية من إعلام لم يبذل جهدا كافيا ليكون ذكيا أصلا.
وهنا تكمن المفارقة: التكنولوجيا التي يخشاها بعض العاملين في الإعلام قد لا تسلبهم مهارات استثنائية، بل تكشف أن ما يقدمونه قابل للاستبدال. فإذا كان الفارق بين المذيع والآلة هو أن الأول يتنفس والثانية لا تتنفس، فالمشكلة ليست في تطور الآلة، وإنما في ضمور الدور المهني للمذيع.
إن مستقبل المذيع البشري لن تحميه ملامحه ولا نبرة صوته ولا عدد سنوات ظهوره على الشاشة. سيحميه ما يعرفه، وكيف يفكر، وما يجرؤ على سؤاله. فالمذيع الذي لا يقرأ خارج النص، ولا يطوّر معرفته، ولا يملك فضول الباحث، سيجد نفسه في منافسة صعبة مع آلة لا تمل من التكرار. أما الذي يستطيع كشف تناقض سياسي، أو تفكيك خطاب مسؤول، أو انتزاع إجابة يتهرب منها ضيفه، فإنه يقدم قيمة لا تختزل في حركة الشفاه.
المطلوب، إذن، ليس مقاومة التكنولوجيا، بل مقاومة الرداءة التي جعلت بعض المذيعين أشبه بالموظفين في مصنع للأسئلة الجاهزة. فالإعلام لا يحتاج إلى مزيد من الوجوه التي تتحدث، بل إلى عقول تعرف لماذا تتحدث، وماذا تسأل، ومتى تشكك.
في النهاية، قد لا تكون أخطر مفاجآت الذكاء الاصطناعي أنه استطاع تقليد المذيع البشري، بل أنه جعلنا نكتشف أن بعض المذيعين كانوا يقلّدون المهنة من البداية. وعندما تصبح الآلة قادرة على أداء دورك بالأسئلة نفسها والنبرة نفسها والمحتوى نفسه، فلا تلُم الآلة لأنها أخذت مكانك؛ اسأل نفسك أولًا: ماذا كنت تقدم ولا تستطيع الآلة تقليده؟