كشفت دراسة حديثة أن الضحك ليس مجرد استجابة للمرح، بل ظاهرة عصبية معقدة يتحكم فيها نظامان مختلفان في الدماغ، أحدهما مسؤول عن الضحك العفوي غير الإرادي، والآخر عن الضحك المرتبط بالتفاعل الاجتماعي والمحادثات.
وأوضحت الدراسة المنشورة في دورية Trends in Neurosciences أن الضحك غالبا ما يكون سلوكا اجتماعيا، إذ تزداد احتمالية حدوثه عند وجود الآخرين، ويسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والتعبير عن التفاهم والموافقة وتخفيف التوتر.
ويختلف الضحك التفاعلي، الذي نستخدمه أثناء الحديث مع الآخرين، عن الضحك العفوي الخارج عن السيطرة. فالنوع الأول يكون عادة قصيرا ومنخفض النبرة، بينما يستمر الثاني مدة أطول ويكون أعلى صوتا، وقد يصاحبه شعور بالمتعة والسعادة.
ولفهم الآليات العصبية وراء هذه الظاهرة، راجع الباحثون دراسات تناولت تحفيز مناطق مختلفة من الدماغ، بما في ذلك أبحاث أُجريت بالتعاون مع وحدة جراحة الصرع في مستشفى نيغواردا بمدينة ميلانو الإيطالية.
شبكتان مختلفتان للضحك
توصل الباحثون إلى وجود شبكتين دماغيتين متميزتين:
- الشبكة الأولى: الضحك العفوي. تضم القشرة الحزامية الأمامية والقطب الصدغي ومناطق تحت قشرية، ويؤدي تنشيطها إلى ضحك لا إرادي قد يصاحبه شعور بالسعادة والمتعة. وترتبط هذه الشبكة بأنظمة عصبية قديمة تطوريا، تشترك فيها الثدييات في إنتاج الأصوات العاطفية والتعبير عن اللعب.
- الشبكة الثانية: الضحك الإرادي. ترتبط بالمناطق الحركية وما قبل الحركية في الدماغ، وتساعد على إصدار الضحك المستخدم خلال المحادثات والتفاعلات الاجتماعية، دون أن يكون بالضرورة تعبيرا عن شعور حقيقي بالمرح.
ما علاقة الضحك بالكلام؟
تشير النتائج إلى أن الضحك الإرادي يعتمد على آليات التحكم الحركي المرتبطة بالكلام، ما يجعله أكثر تعقيدا من الناحية العصبية. أما الضحك العفوي، فيعتمد على دوائر عصبية أقدم ترتبط بالتعبير العاطفي التلقائي.
وتساعد هذه الفروق في تفسير بعض الحالات العصبية؛ فقد يفقد الشخص المصاب بجلطة دماغية القدرة على الكلام أو التحكم في الضحك الإرادي، بينما تظل قدرته على الضحك العفوي أو البكاء أو الصراخ محفوظة، إذا بقيت الشبكات المسؤولة عن هذه الاستجابات سليمة.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الشبكات قد يسهم في توضيح العلاقة بين العواطف والتواصل الاجتماعي والتحكم الحركي، كما يفتح المجال أمام دراسات أعمق حول كيفية نشوء الضحك داخل الدماغ.