ويكتسب تاريخ القرى أهمية خاصة، في ضوء تغيرات شهدها المجتمع الأردني، وما رافقها من تحولات سكانية واجتماعية واقتصادية انعكست على طبيعة المكان وهوية الإنسان.
وقد حظيت القرى الأردنية بنصيب من التوثيق في المعاجم وكتب البلدان، كما أسهمت الصحف اليومية في تسجيل جوانب من يومياتها من خلال نشر الروايات والشهادات المتعلقة بنشأتها وتطورها وأحوال أهلها.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال بحاجة إلى مشروع وطني متكامل يجمع المادة التاريخية ويصنفها، ويحولها إلى معرفة موثقة تحفظ ذاكرة المكان للأجيال القادمة.
ومع مرور أكثر من مئة عام على تأسيس الدولة، تبرز الحاجة إلى اعتماد منهجية واضحة لتأريخ القرى، تقوم على البحث العلمي والاستناد إلى الوثائق، وربط تاريخ المكان بتحولات الدولة والمجتمع.
فالقرية الأردنية ومؤسساتها، من بلديات ومدارس ومراكز صحية وشبابية، ومخاتير وشيوخ ووجهاء.. تمتلك سجلات ووثائق محلية يمكن أن تشكل أساساً لكتابة تاريخها، إن جرى جمعها وأرشفتها وتحليلها ضمن سياق تاريخي متكامل.
ولا يقتصر هذا الرصيد على المؤسسات المحلية، بل يمتد إلى المكتبة الوطنية وغيرها من المؤسسات الأرشيفية، التي تحتفظ بوثائق تتناول جوانب اجتماعية وثقافية وإدارية متعددة.
وتكشف هذه الوثائق عن احتياجات السكان، وطرق إدارة مؤسساتهم، ومراحل تطورها، فضلاً عن طبيعة العلاقات الاجتماعية وما شهدته المجتمعات المحلية من توافقات وخلافات وصراعات ارتبطت بظروفها التاريخية والاقتصادية.
وقد شهدت القرى الأردنية تحولات متفاوتة؛ فمنها ما اتسع عمرانها ونما سكانها حتى أصبحت بلدات أقرب إلى المدن، نتيجة التوسع العمراني والتغيرات السكانية والقرب من المراكز الحضرية، ومنها ما احتفظ بملامح الحياة القروية.
هذا التنوع من توثيق تاريخ القرى ضرورة لفهم اختلاف التجارب المحلية ومسارات التحول في المجتمع الأردني.
ولكل قرية أرشيفها الخاص؛ الذي يستحق البحث والدراسة، بعيداً عن الاعتماد على المرويات الشفوية وحدها، رغم أهميتها بوصفها مصدراً للذاكرة الشعبية.
والروايات الشفوية تكتسب قيمتها التاريخية حين تقارن بالوثائق والسجلات والشهادات الأخرى، بما يتيح إعادة بناء تاريخ القرية، والكشف عن تجارب أهلها وقدرتهم على إدارة شؤونهم وتطوير مؤسساتهم.
ولا تزال وثائق كثيرة محفوظة لدى الأفراد والعائلات، ولم تصل إلى المؤسسات المعنية بالتوثيق.
وقد تشمل هذه الوثائق الشعبية، رسائل قديمة وصوراً وسجلات عائلية ومحاضر اجتماعات ووثائق تتصل بالحياة العامة والخاصة.
واليوم؛ تبرز أهمية المؤرخ المحلي المتخصص في دراسة تاريخ منطقة أو قرية أو مدينة، وجمع مصادرها وتحليلها وتقديمها للأجيال بلغة علمية واضحة.
وتقدم تجارب دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة نماذج للاهتمام بالتاريخ المحلي ودوره في تعزيز ارتباط السكان بأماكنهم.
والأردن بحاجة إلى ترسيخ هذا الدور من خلال دعم الباحثين، وتدريب المهتمين بالتوثيق، وربط جهودهم بالجامعات والمؤسسات الأرشيفية والثقافية.
وعلى الرغم من الجهود الأكاديمية التي تناولت تاريخ المدن الأردنية ومحيطها، فإن الحاجة ما تزال قائمة إلى توسيع البحث ليشمل القرى بصورة منهجية، والبناء على الدراسات السابقة ضمن إطار وطني واضح.
فالتاريخ المحلي ليس هامشاً للتاريخ العام، بل مدخل أساسي لفهم تطور المجتمع والدولة والعلاقة بين المبادرات المحلية والتحولات الوطنية.
وللبلديات دور محوري في هذا المجال، إذ يمكنها إطلاق مشروعات لتوثيق تاريخ القرى، وإنشاء أرشيفات محلية، وتنظيم معارض للصور والوثائق، وإصدار كتب تاريخية، وعقد ندوات تجمع الباحثين وكبار السن وأصحاب الوثائق، بالتعاون مع المكتبة الوطنية والجامعات والمؤسسات الثقافية.