لكن هذا المفهوم في الحالة الأردنية يتجاوز كونه عنواناً سياسياً أو طرحاً حكومياً قابلاً للتطوير، ليحمل دلالات تاريخية ووطنية عميقة، تستند إلى مسيرة تأسيس الدولة الأردنية، وإلى جملة من الوثائق والمطالب الوطنية التي عبرت منذ مطلع القرن العشرين عن تصور الأردنيين لشكل الحكم الذي يريدونه.
تبرز في هذا السياق مطالب مؤتمر أم قيس الذي عقد عام 1920 بين وجهاء من أهالي عجلون والمندوب السياسي البريطاني سومرست، كمحطة تأسيسية مهمة في قراءة الجذور التاريخية للعقد الاجتماعي الأردني. فقد عكست تلك المطالب تطلعات أهالي شرق الأردن إلى إقامة كيان سياسي مستقل يقوم على إدارة شؤون البلاد بإرادة وطنية خالصة، ويعبر عن خصوصية المجتمع وهويته العربية.
وتضمنت المطالب الدعوة إلى أن يكون على رأس الحكومة أمير عربي من (آل بيت النبوة)، وأن يكون للبلاد مجلس عام يمثل وحدة أراضيها، ويتولى سن القوانين وإدارة الشؤون الداخلية وتنظيم الموازنة العامة، وهي مطالب عبرت بوضوح عن رغبة في بناء سلطة وطنية قادرة على إدارة شؤون البلاد وصون مصالح أهلها.
لم تكن هذه المطالب مجرد مواقف سياسية عابرة، بل مثلت تعبيراً مبكراً عن وعي الأردنيين بذاتهم السياسية، وعن تصورهم لشكل الحكم. وفي هذا الإطار جاءت إقامة إمارة شرق الأردن عام 1921 لتشكل بداية مرحلة جديدة، مستندة إلى الوعي العروبي وإلى التقاء تطلعات أهل البلاد مع المشروع السياسي الذي حمله الأمير عبدالله بن الحسين، الملك المؤسس طيب الله ثراه.
لقد سعى الملك المؤسس إلى إقامة إدارات عربية قادرة على تجاوز إرث الحكم العثماني وما خلفه من أعباء إدارية واجتماعية، وإلى بناء مؤسسات تنظم شؤون الناس وتستجيب لاحتياجاتهم، بدلاً من علاقة تقوم على الجباية والامتثال للأوامر. وكان بناء الدولة في جوهره عملية تأسيس سياسي وإداري، لكنها كانت أيضاً محاولة لإعادة الاعتبار لإرادة المجتمع وحقه في المشاركة بصياغة مستقبله.
وتميزت مرحلة الإمارة والسنوات الأولى للمملكة بالسعي الدؤوب لترجمة تلك المطالب الوطنية إلى مؤسسات وتشريعات. فجاء القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن عام 1928 بوصفه نواة دستورية لتنظيم السلطات وتحديد اختصاصاتها، ثم توجت هذه المسيرة بإصدار دستور عصري عام 1952، الذي أرسى القواعد الراسخة للعقد الاجتماعي الأردني بكل أبعاده.
إن دستور 1952 لم يكن مجرد نص قانوني، بل كان تتويجاً لمسار توافقي طويل، أكد أن الأمة مصدر السلطات، وأن الشعب شريك أصيل في الحكم عبر مؤسساته المنتخبة، وأن الدولة تقوم على واجب الحماية والرعاية مقابل واجب الولاء والانتماء.
من هنا، فإن العقد الاجتماعي في الأردن ليس فكرة مستوردة نبحث عنها اليوم، بل هو عقد راسخ متجذر في تاريخ التأسيس، صاغته مطالب أم قيس، وكرسته وثائق الإمارة، وحصنه الدستور، ورسخته القيادة الهاشمية التي حافظت على جوهره.
إن هذا العقد ينطلق من قاعدة صلبة يعبر عن أصالة الأردن ومعاصرته فالعقد الاجتماعي الأردني راسخ ومظلته تتسع للجميع.