نحن نعيش اليوم بين إرثين متناقضين؛ إرث العقائديات الثقيل الذي كبل الأحزاب العربية لعقود، ودعوات جديدة للبرامجية والعمل المطلبي. لكن الفجوة ما تزال بين الشعارات والواقع، وبين ما يُكتب في البيانات وما يُمارس في الواقع.
وعند الحديث عن السردية الحزبية بعض المؤرخين أجمعوا على أن خمسينيات القرن الماضي كانت العصر الذهبي للحزبية في المنطقة، لكن الحقيقة أنها كانت ذروة العقائديات القومية واليسارية المستوردة أكثر منها حياة حزبية وطنية. كانت أحزاب تلك المرحلة تستمد خطابها من الخارج، من شعارات الوحدة والتحرر الأممي، أكثر مما تستمد برامجها من هموم القرية والحي والمدينة الأردنية.
وحين انتهت مرحلة الأحكام العرفية، وانفتح المجال العام، لم تتجدد الأحزاب، بل استعادت هموماً قديمة بثوب جديد. أحزاب ترفع شعارات الستينيات في القرن الماضي لتواجه تحديات عشرينيات القرن الحالي، فنشأت فجوة عميقة بين الحزب كإطار تنظيمي وفكري، وبين حاجات الناس الحقيقية. ومن هنا يأتي عزوف المواطن، لا كما يبرره البعض بـ"الراسب النفسي" لدى الأردني ضد الحزبية، بل لأن الحزب نفسه لم يقنعه بعد.
السؤال الجوهري: هل تمارس أحزابنا اليوم دور الحزب كما هو في الديمقراطيات الراسخة؟
المتابع يلاحظ مفارقة غريبة؛ أحزاب تجيد نقد كل شيء، الدولة والحكومة والمجتمع، لكنها لا تطيق النقد الذاتي ولا تمارس المراجعة. تنظر للناس من برج مثالي، وتطرح قضايا بعيدة عن أولوياتهم المعيشية والخدمية، ثم تشتكي من عدم الالتفاف الشعبي حولها.
والحزب الحقيقي ليس بياناً يصدر عند كل قرار اقتصادي ثم يعود للسبات، الحزب هو حاضنة اجتماعية متكاملة؛ نادٍ ثقافي، ومركز تفكير، ومبادرة اقتصادية، وحضور يومي في الجامعة والنقابة والحي. وهذا الغياب هو ما حول الحزب في نظر كثيرين إلى مجرد مشروع عبور سريع نحو السلطة والمنصب.
العلة الأخطر أن بعض أحزابنا هي في الواقع مشاريع شخصية تدور حول رئيسها ومزاجه وخبرته المحدودة، فإذا غاب الرئيس غاب الحزب، وإذا تغيرت قناعاته تغير برنامج الحزب. هكذا تتحول الأحزاب إلى أطر وعائلات، لا إلى مؤسسات فكرية برامجية قابلة للاستمرار.
ثم لنسأل بصراحة: هل لدينا أحزاب حقيقية خارج عمان؟ كيف لحزب يعتمد نوابه على العشيرة في نجاحهم أن يطرح برنامجاً يتعارض مع بنية قواعده؟ وكيف لتيار وُلد على فيسبوك وتويتر بصور أنيقة وخطاب رنان أن يصمد على الأرض حين تمتحن ممارسات قادته؟
ولكن، ورغم هذه الصورة إلا أن الملامح الإيجابية حاضرة في تحريك المشهد العام والانتقال بالجميع إلى حراك فاعل ومتمرس سياسياً ضمن أطر واضحة وممارسات فاعلة. ولكن التجربة في بلادنا تحتاج لبعض الصبر.