في هذا العالم المفتوح، قد يصبح شخص لا نعرفه قدوة لأبنائنا، لمجرد أنه يمتلك ملايين المتابعين أو يقدم محتوى يحظى بانتشار واسع. وقد تتحول الشهرة الرقمية، في نظر بعض الشباب، إلى معيار للنجاح، بصرف النظر عن قيمة المحتوى أو أثره في الفرد والمجتمع.
وهنا لا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها. فهي أدوات مهمة للتعلم والتواصل واكتساب المعرفة، كما أنها وفرت للشباب فرصاً واسعة لإظهار مواهبهم وأفكارهم ومشروعاتهم. لكن التحدي الحقيقي يكمن في نوعية المحتوى الذي يصل إلى أبنائنا، والأشخاص الذين يكتسبون تأثيراً فيهم من خلاله.
فمقطع قصير قد ينتهي خلال دقائق، لكن فكرته قد تبقى في ذهن طفل أو مراهق لفترة طويلة. وقد يبدو بعض المحتوى ترفيهياً وبسيطاً، لكنه يحمل بصورة غير مباشرة رسائل حول النجاح والمال والشهرة والعلاقات ونمط الحياة، فتتسلل هذه الأفكار تدريجياً إلى طريقة تفكير الجيل الجديد.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأسرة ليس فقط: كم ساعة يقضي أبناؤنا على مواقع التواصل؟ بل أيضاً: ماذا يشاهدون؟ ومن يتابعون؟ ومن هم الأشخاص الذين أصبحوا مؤثرين في أفكارهم وسلوكهم؟
إن الحل لا يكمن في عزل الأبناء عن العالم الرقمي، فهذا أمر يصعب تحقيقه في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. الحل هو بناء وعي رقمي يجعل أبناءنا أكثر قدرة على الاختيار والتمييز، ويمنحهم الأدوات التي تساعدهم على معرفة الفرق بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي يستهدف جذب الانتباه فقط.
وهنا تأتي مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام وصنّاع المحتوى. فنحن بحاجة إلى حوار مستمر مع أبنائنا، لا يقوم على المنع والمراقبة فقط، وإنما على الفهم والنقاش وتعزيز التفكير النقدي.
كما نحتاج إلى إعادة الاعتبار لمفهوم القدوة. فليس كل شخص مشهور جديراً بأن يكون نموذجاً يحتذى به، وليس عدد المتابعين مقياساً للقيمة أو النجاح. هناك علماء وباحثون وأطباء ومهندسون ومبدعون ورياضيون وأصحاب مشاريع وقصص نجاح حقيقية، يستحقون أن تصل تجاربهم إلى الجيل الجديد وأن يجدوا حضوراً أكبر في الفضاء الرقمي.
إن حماية أبنائنا في العالم الرقمي لا تعني إغلاق الأبواب أمامهم، وإنما تعليمهم كيف يختارون ما يدخل إلى عقولهم، وكيف يستخدمون هذه المنصات لصالحهم بدلاً من أن تتحول إلى مصدر وحيد لتشكيل وعيهم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم أمامنا جميعاً:
إذا كنا نحرص على اختيار أصدقاء أبنائنا في الحياة، فلماذا لا نهتم بمن يختارونهم قدوة لهم في العالم الرقمي؟
فما يشاهده أبناؤنا اليوم قد يساهم في تشكيل من سيكونون عليه غدا.