الأرشيف في زمن المحتوى السريع.. ماذا سيبقى منا؟

تاريخ النشر : الأربعاء 11:15 30-9-2026
محمد جودت الرفاعي

في زمن الصحافة الورقية، كان للأرشيف مكانته الخاصة، وكانت الصحف تحفظ أعدادها، والمصورون يحتفظون بصورهم، والمؤسسات توثق مناسباتها وفعالياتها، وكان هناك إدراك واضح بأن ما يُنشر اليوم قد يصبح وثيقة مهمة في المستقبل، ولم تكن الصورة مجرد صورة، ولا الخبر مجرد خبر، بل جزء من ذاكرة زمن يمكن العودة إليه بعد سنوات طويلة لمعرفة ماذا حدث، ومن كان حاضراً، وكيف كانت تفاصيل تلك المرحلة.

أما اليوم، فنحن نعيش في عصر مختلف تماماً، عصر أصبحت فيه الكاميرا في يد الجميع، وأصبح نشر الصورة أو الفيديو أو الخبر لا يحتاج أكثر من ثوانٍ، والفعالية التي كانت تحتاج إلى مصور وصحفي وصحيفة حتى تصل إلى الجمهور، أصبحت اليوم تُبث مباشرة عبر الهاتف، والموقف الذي كان ينتهي بانتهاء لحظته أصبح قادراً على الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، ومع ذلك، أعتقد أننا أمام مفارقة غريبة: نحن نوثق أكثر من أي وقت مضى، لكننا في الوقت نفسه قد نكون أقل قدرة على الأرشفة.

السوشال ميديا جعلتنا أسرع في صناعة المحتوى، لكنها جعلت عمر المحتوى أقصر، بمعنى أن منشورا قد يحقق آلاف المشاهدات اليوم، ثم يختفي غداً بين عشرات أو مئات المنشورات الجديدة، والصورة التي كانت حاضرة في ذاكرة الناس قبل أيام، قد يصبح الوصول إليها بعد سنوات أمراً صعباً، حيث إن حسابا قد يتوقف، ومنصة قد تغير سياستها، ورابطا قد يتعطل، أو محتوى قد يُحذف، وفجأة تختفي تفاصيل كانت جزءاً من حياتنا اليومية وكأنها لم تكن موجودة أصلاً.

الأمر لا يتعلق فقط بالصور والأخبار، بل بكل تفاصيل الحياة التي تستحق أن تُحفظ، إذ إن فعالية مجتمعية، ولقاء مع شخصية مهمة، وقصة إنسانية، ومناسبة وطنية، وافتتاح مشروع، وحديثا مع أحد كبار المواطنين، أو حتى موقف عابر قد يبدو بسيطاً في لحظته، لكنه يصبح بعد سنوات شهادة على مرحلة كاملة، والمشكلة أن كثيراً من هذه التفاصيل ينتهي اليوم بمنشور على منصة اجتماعية، ثم يضيع وسط زحام المحتوى، من دون نسخة أصلية محفوظة أو ملف منظم يمكن الرجوع إليه.

وهنا أرى أن علينا أن نفرق بين التوثيق والأرشفة، فالتوثيق هو أن نسجل ما يحدث، أما الأرشفة فهي أن نضمن بقاء هذا التسجيل وإمكانية الوصول إليه وفهم سياقه بعد سنوات، فقد نصور مئات الصور في فعالية واحدة، لكن إذا بقيت الصور على هاتف شخص واحد، فإننا لم نبنِ أرشيفا حقيقيا، وقد ننشر عشرات المقاطع، لكن إذا لم نحتفظ بالنسخ الأصلية ومعلوماتها وتاريخها، فقد نفقد جزءا من قيمتها مع مرور الوقت.

والأرشيف في رأيي الشخصي ليس مجرد مجموعة ملفات قديمة، وإنما ذاكرة تحفظ تفاصيل المجتمع وتحميها من النسيان، فعندما نعود إلى صورة قديمة، فإننا لا نرى الأشخاص فقط، بل نرى المكان والملابس والتفاصيل والوجوه وطريقة الحياة، وعندما نقرأ خبرا قديماً، فإننا لا نقرأ كلمات فقط، بل نستعيد حدثاً وسياقا وزمناً كاملاً، ولهذا فإن بعض المواد التي قد تبدو عادية عند نشرها اليوم، يمكن أن تتحول بعد سنوات إلى مصادر مهمة للباحثين والصحفيين والمؤسسات والأجيال الجديدة.

والمفارقة أن التكنولوجيا التي جعلت حفظ المعلومات أسهل، جعلت ضياعها أسهل أيضاً، فلدينا اليوم مساحات تخزين هائلة، ومنصات متعددة، وكاميرات عالية الجودة، وقدرة غير مسبوقة على إنتاج المحتوى، لكننا لا نمتلك دائماً ثقافة أرشفة توازي هذا الكم الهائل من الإنتاج، وأصبحنا نهتم بعدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات، أكثر مما نهتم بالسؤال عن المكان الذي سيذهب إليه هذا المحتوى بعد انتهاء لحظته.

وهنا يأتي دور المؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية والثقافية والمجتمعية، وكذلك صناع المحتوى والأفراد، في التعامل مع الأرشفة باعتبارها جزءا من عملية التوثيق نفسها، فالمادة المهمة لا يكفي أن تُنشر، بل يجب الاحتفاظ بنسختها الأصلية، وتنظيمها، وتوثيق تاريخها ومكانها وأسماء المشاركين فيها، ووضع آلية تضمن استمرار الوصول إليها، لأن المنصة قد تتغير، لكن قيمة الوثيقة لا تتغير.

وأعتقد أن صانع المحتوى اليوم أمام مسؤولية أكبر مما كان عليه الصحفي سابقاً من ناحية حجم ما يستطيع توثيقه، فالهاتف الذي نحمله قادر على تسجيل تفاصيل لحظية قد لا يستطيع أحد استعادتها لاحقاً، ومقابلة مع شخص عاش مرحلة مهمة، صورة لمكان تغيرت ملامحه، فعالية شارك فيها أشخاص أصبحوا جزءا من التاريخ، أو قصة إنسانية ربما لا تتكرر، كلها مواد يمكن أن تتحول مع الوقت إلى ذاكرة ثمينة إذا أحسنا التعامل معها.

لذلك لا أعتقد أن الحل هو الابتعاد عن السوشال ميديا، بل أن نتعامل معها باعتبارها واحدة من أدوات التوثيق الحديثة، لا أن تكون هي الأرشيف الوحيد، وننشر، لكن نحتفظ بالأصل، ونصور، لكن ننظم المواد، ونوثق اللحظة، لكن نحفظ سياقها، ونستفيد من سرعة المنصات وانتشارها، من دون أن نسمح لها بأن تكون المكان الوحيد الذي نضع فيه ذاكرتنا.

فالسؤال الحقيقي اليوم ليس كم شخصاً شاهد ما نشرناه؟ ولا كم إعجاباً حصلت عليه الصورة؟ وإنما ماذا سيبقى من كل ذلك عندما تمر السنوات؟ هل سنستطيع أن نعود إلى هذه المواد ونفهم متى وأين وكيف حدثت؟ وهل سيجد أبناؤنا وأحفادنا بعد عشرين أو ثلاثين عاماً ما يخبرهم عن المرحلة التي نعيشها اليوم؟

في النهاية، نحن لا نوثق لأنفسنا فقط، بل نوثق لمن سيأتي بعدنا، وربما لا ندرك قيمة صورة أو مقابلة أو خبر لحظة نشره، لكن قيمته قد تتضاعف مع مرور الزمن، والسوشال ميديا تحفظ لنا اللحظة، أما الأرشفة فتحفظ لنا سياقها وذاكرتها، وبين الاثنين مسافة كبيرة، علينا أن ننتبه إليها قبل أن نكتشف أن لدينا ملايين الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات، لكننا فقدنا الحكاية التي كانت وراءها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }