في اليوم العالمي للقانون، من قال ان القانون بخير ؟!

تاريخ النشر : الأحد 02:59 13-9-2026
د.مصطفى ياغي
د.مصطفى ياغي

يصادف اليوم الثالث عشر من أيلول ما يُعرف باليوم العالمي للقانون، مناسبة يُراد منها التذكير بسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات وتحقيق العدالة والسلام، لكنني، وأمام ما يجري في عالمنا اليوم، لا أعرف إن كان المطلوب أن نحتفل بالقانون أم أن نقف دقيقة صمت على ما آلت إليه أحواله. ماذا أعددنا لهذا اليوم غير الكلمات؟ وأي قانون نحتفل به بينما تُنتهك القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية على مرأى العالم وسمعه؟ ربما أصبح حال يوم القانون يشبه كثيراً حال المناسبات التي نحتفل بها كل عام ثم ننسى أصحابها في اليوم التالي؛ نحتفل بيوم الأم، بينما أم في غزة تحمل طفلها الشهيد، وأخرى تبحث عن أبنائها تحت الركام، وثالثة لا تعرف إن كانت ستجد لعائلتها طعاماً أو مأوى، ونحتفل بيوم الطفل فيما أطفال يُقتلون ويُجرحون ويُهجّرون ويحرمون من أبسط حقوق الطفولة، ثم يأتي يوم القانون لنحدث الناس عن العدالة وسيادة القانون والقانون الدولي الإنساني. فأين هي العدالة عندما يصبح تطبيق القانون مرتبطاً باسم الدولة وقوتها وتحالفاتها؟ وأين سيادة القانون عندما تستطيع دولة أن تفعل ما تشاء، بينما تُحاسب دولة أخرى على ما هو أقل من ذلك بكثير؟ هنا تحديداً تكمن المأساة؛ فالعالم لا يعاني نقصاً في القوانين، لدينا ميثاق للأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، ومحكمة عدل دولية، ومحكمة جنائية دولية، ومئات الاتفاقيات والمعاهدات والقرارات، ولدينا قانون دولي إنساني وضع قواعد واضحة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وفي مقدمتها التمييز بين المدنيين والمقاتلين وحظر الهجمات العشوائية ووجوب احترام مبدأ التناسب. المشكلة إذاً ليست أن العالم لا يعرف القانون، بل أنه يعرفه جيداً ثم يختلف على تطبيقه عندما يصل إلى أبواب الأقوياء. ولعل فلسطين هي الامتحان الأكثر وضوحاً أمام هذا النظام الدولي؛ ففي 19 تموز 2024 قالت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري إن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وإن على إسرائيل إنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة فوراً، كما أكدت أن احتلال الأرض لا يمنح الدولة المحتلة السيادة عليها وأن المخاوف الأمنية لا تستطيع تجاوز مبدأ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. حسناً، المحكمة قالت كلمتها، فماذا بعد؟ هنا تبدأ المشكلة التي لا يريد كثيرون مواجهتها. ما قيمة أن يقول القانون كلمته إذا بقي تنفيذ هذه الكلمة رهناً بموازين القوى؟ وما قيمة المحكمة إذا كان الضعيف ينتظر حكمها، بينما يستطيع القوي أن ينتظر تغير الظروف السياسية؟ وما معنى الشرعية الدولية إذا كان الالتزام بها إلزامياً على البعض وخاضعاً للحسابات السياسية عندما يتعلق الأمر بالبعض الآخر؟ القضية هنا أكبر من فلسطين، رغم أن فلسطين تختصر المأساة كلها؛ إنها قضية عالم بدأ يفقد بالتدريج الفاصل بين «حكم القانون» و«حكم القوة». وفي منطقتنا لسنا بحاجة إلى كتب القانون حتى ندرك حجم هذه المفارقة؛ انظروا إلى فلسطين، وانظروا إلى لبنان وسوريا، وإلى الاعتداءات على السيادة والحدود، وإلى المدنيين الذين يدفعون ثمن الحروب، ثم استمعوا بعد ذلك إلى البيانات الدولية: ندعو إلى ضبط النفس، نشعر بالقلق، نطالب باحترام القانون الدولي، ندعو الأطراف إلى الالتزام. عبارات أصبحت محفوظة من كثرة تكرارها، فيما الدم الذي يسيل حقيقي، والبيوت التي تهدم حقيقية، والأرض التي تحتل حقيقية، والإنسان الذي يفقد حياته لا يستطيع أن يعيش على «قلق المجتمع الدولي». وما يزيد الأمر خطورة أن الصمت لم يعد دائماً عجزاً؛ ففي أحيان كثيرة تحكمه المصالح. دول تعرف أن هناك انتهاكاً لكنها تحسب ثمن موقفها قبل أن تحسب ثمن الانتهاك، ودول ترفع راية القانون عندما يخدم مصالحها ثم تضعها جانباً عندما يصبح القانون عبئاً على حليف لها. وهكذا تتحول العدالة من مبدأ إلى أداة، ويتحول القانون من ميزان يفترض أن يقف أمامه الجميع متساوين إلى ميزان تتغير أوزانه بحسب هوية من يقف عليه. وهذه، في رأيي، أخطر جريمة يمكن أن ترتكب بحق القانون نفسه، لأنك عندما تقنع الشعوب بأن القانون لا يحميها، وأن القرارات الدولية لا تنفذ إلا على من لا يستطيع مقاومتها، وأن قوة الدولة أهم من قوة الحق، فأنت لا تهدم ثقة الناس بمؤسسة أو منظمة دولية فقط، بل تهدم الفكرة التي حاول العالم بناءها بعد حروب دفع فيها ملايين البشر حياتهم ثمناً لغياب القانون. نحن لا نطلب عالماً مثالياً، ولا نتوهم أن السياسة ستنفصل يوماً عن المصالح، ولكن هناك فارقاً هائلاً بين أن تكون للدول مصالح وبين أن تصبح المصالح رخصة لتعطيل القانون. وهناك فارق بين أن تعجز المنظومة الدولية عن منع كل جريمة وبين أن يصبح عجزها انتقائياً؛ قوية أمام الضعيف، مترددة أمام القوي، وصامتة عندما يكون ثمن العدالة مرتفعاً. لذلك، وفي يوم القانون، لا أريد أن أهنئ أحداً. أريد أن أسأل فقط: ماذا أعددنا للقانون؟ هل أعددنا له مزيداً من المؤتمرات والخطب والصور التذكارية، أم أعددنا إرادة تحميه عندما يكون تطبيقه صعباً؟ ماذا أعددنا للأم التي لا يعنيها اسم الاتفاقية الدولية بقدر ما يعنيها أن يبقى طفلها حياً؟ ماذا أعددنا للطفل الذي يسمع عن حقوق الطفل بينما يتعلم أسماء الأسلحة قبل أن يتعلم أبجدية المدرسة؟ ماذا أعددنا للشعوب التي تسمع عن حق تقرير المصير بينما تقرر القوى الكبرى عنها مصيرها؟ وماذا أعددنا للدول التي تسمع عن السيادة ووحدة الأراضي ثم تكتشف، عند أول اختبار حقيقي، أن بين نصوص القانون الدولي وواقع السياسة مسافة تقاس بحجم القوة والنفوذ؟ لا يحتاج القانون إلى عيد إذا كنا سنتركه وحيداً في بقية أيام السنة، ولا يحتاج إلى خطبة جديدة عن العدالة بقدر حاجته إلى عدالة لا تسأل الضحية عن جنسيتها ولا تسأل المعتدي عن حلفائه. يوم القانون الحقيقي سيكون يوم يصبح فيه القوي خاضعاً للقانون كما الضعيف، ويوم لا يستطيع صاحب النفوذ شراء الصمت السياسي، ويوم تصبح حياة طفل في غزة أو أي مكان آخر مساوية فعلاً لحياة أي طفل في العالم، لا في نصوص الاتفاقيات فقط. أما أن نرفع اليوم كأس الاحتفال بالقانون، ثم نضع غداً القانون نفسه على رف المصالح الدولية، فربما يكون من الأصدق ألا نسمي الثالث عشر من أيلول يوماً للاحتفال بالقانون، بل يوماً نسأل فيه أنفسنا والعالم سؤالاً واحداً: إذا كان القانون يُحترم عندما يسمح الأقوياء باحترامه، فمن الذي يحكم العالم فعلاً... القانون أم القوة؟

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }