إجمالي الإيرادات والمنح بلغ خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 4.84 مليار دينار، منها 4.72 مليار دينار إيرادات محلية، مقابل 115.1 مليون دينار منحاً خارجية. وهذا يعني أن الإيرادات المحلية شكلت نحو 97.6% من إجمالي الإيرادات والمنح خلال الفترة، الأمر الذي يؤكد أهمية الموارد المحلية في تمويل المالية العامة، ويعكس قدرة الخزينة على الاعتماد بدرجة كبيرة على مواردها الذاتية.
كما بلغت الإيرادات المحلية ما يعادل 21.6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغت الإيرادات والمنح في المقابل بلغت النفقات العامة 6.11 مليار دينار، أي ما يعادل 27.9% من الناتج المحلي الإجمالي. الأهم في هيكل الإنفاق هو استمرار وجود مكون رأسمالي ما يزال محدودا لكنه مهم. فقد بلغت النفقات الرأسمالية خلال النصف الأول من 2026 نحو 561.5 مليون دينار، بما يعادل 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الوقت نفسه بلغت النفقات الجارية 5.55 مليار دينار. طبعاً ما نطمح له زيادة نسبة الانفاق الرأسمالي من الناتج وهو أمر ضروري لرفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد وتحسين البنية التحتية ودعم النمو الاقتصادي.
أما العجز، فقد بلغ بعد المنح نحو 1.273 مليار دينار، ورغم أن العجز يمثل تحدياً مستمراً للمالية العامة، فإن الأهم في تقييم الوضع المالي هو قدرة الحكومة على إدارة هذا العجز ضمن إطار يحافظ على الاستقرار المالي ويمنع انتقال الضغوط المالية إلى الاقتصاد بصورة أكبر. وتبرز هنا واحدة من أهم النقاط الإيجابية في المؤشرات الحالية، وهي استقرار نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي. فقد بلغ رصيد الدين العام، باستثناء الدين الذي يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، نحو 37.69 مليار دينار في نهاية حزيران 2026، مقابل 36.56 مليار دينار في عام 2025. أي أن الدين ارتفع بنحو 1.13 مليار دينار أو 3.1%.
لكن الأهم أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ارتفعت بشكل محدود جداً من 83.5% إلى 83.6%، ومن منظور الاستدامة المالية، فإن استقرار هذه النسبة يعد مؤشراً مهماً، لأن العبء الحقيقي للدين لا يقاس بحجمه الاسمي فقط، وإنما بعلاقته بحجم الاقتصاد وقدرته على توليد الدخل والإيرادات. أما هيكل الدين، فقد بلغ الدين الخارجي نحو 20.64 مليار دينار، مقابل 17.06 مليار دينار للدين المحلي. ويعني ذلك أن إدارة الدين تحتاج إلى الاستمرار في تحقيق التوازن بين مصادر التمويل، مع التركيز على خفض كلفة الاقتراض وإطالة آجال الاستحقاق وتقليل مخاطر إعادة التمويل.
على المستوى الخارجي، تقدم الاحتياطيات الأجنبية مؤشراً إيجابياً واضحاً. فقد ارتفعت إلى نحو 26.09 مليار دولار في نهاية حزيران 2026، مقارنة بـ 25.50 مليار دولار في عام 2025، بزيادة تقارب 585 مليون دولار أو 2.3%. وهذا الارتفاع يعزز قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة الصدمات الخارجية ويدعم الاستقرار النقدي وسعر الصرف.
كما بلغت تغطية الاحتياطيات للمستوردات نحو 8.6 أشهر، وهي مدة توفر هامش أمان جيدا للاقتصاد وتؤكد متانة المركز الخارجي. وتظهر المؤشرات المصرفية كذلك استمرار النشاط المالي بصورة مستقرة. فقد نما عرض النقد بمعناه الواسع بنسبة 3.7%، وارتفعت الودائع بنسبة 2.2%، كما ارتفعت التسهيلات الائتمانية بنسبة 3%. وفي الوقت نفسه انخفض متوسط سعر الفائدة المرجح على القروض والسلف من 7.95% إلى 7.48%، وهذا التطور النسبي مهم لأنه يشير إلى انخفاض كلفة التمويل ولو نسبياً ويدعم قدرة القطاع الخاص على الحصول على الائتمان، بما يمكن أن يساعد على تنشيط الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
مؤشرات النصف الأول من 2026 تشير إجمالاً نحو استمرار المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي. فالإيرادات المحلية تمثل الجزء الأكبر من موارد الخزينة، ونسبة الدين إلى الناتج بقيت مستقرة تقريباً، والاحتياطيات الأجنبية ارتفعت، واستمر الائتمان المصرفي في النمو. هذه النتائج طبعاً لا تعني أن التحديات المالية قد انتهت، لكنها تشير إلى أن الاقتصاد الأردني يمتلك قاعدة من الاستقرار يمكن البناء عليها. والتحدي في المرحلة المقبلة هو تحويل هذا الاستقرار إلى نمو اقتصادي أعلى وإنتاجية أكبر وفرص عمل أكثر، من خلال رفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز نمو الإيرادات المحلية، وتوجيه الإنفاق الرأسمالي نحو المشاريع ذات العائد الاقتصادي الأعلى، والاستمرار في تحسين إدارة الدين العام.