من يجمع بين الماضي واليوم يلمس صلابة التحصين الأردني، ضمن مؤسساته وبناه الاجتماعية الوطنية، ففي مرحلة حظي الأردن مع دول الطوق بدعم عربي، فهو خط الدفاع الأول عن الأمة وأمنها القومي، والشوكة الصلبة في مواجهة تهديد العمق العربي، لكن هذا الدعم تلاشى، وخرجت دول أساسية من خط المواجهة، وغرقت أخرى في مشاكلها الداخلية، وتغيرت أولوياتها باتجاه دول جارة، كما فعل النظام السوري السابق الذي جعل الهيمنة على لبنان أولوية كبرى بالنسبة له، تلاشى الدعم شيئا فشيئا بل وتعرض الأردن لحملات تشكيك ومكائد استهدفت إضعافه بغية تمرير مخططات إقليمية على حسابه، والشواهد على ذلك كثيرة وهي مخططات لم تنقطع بين مرحلة وأخرى، فهل أضعفت الأردن وأخضعت إرادته؟ الواقع الأردني اليوم يجيب بحزم ووضوح أن الأردن اليوم أكثر قوة ومنعة وفعالية.
تلاشى الدعم، وتراجع الدعم من قريب وبعيد، واضمحلت المساعدات الدولية إلا في أضيق الحدود، فماذا حدث؟ لقد توجه الأردن إلى الاعتماد على النفس أكثر، فنجح في بناء قدراته الذاتية، واستجماع قوى اقتصاده رغم الهزات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، فواصل البناء والتحديث وتطوير البنى التحتية، وتمتين المؤسسات، ومواكبة التقنيات الحديثة والأساليب العصرية، وعمل على تحديث أركان الدولة، وسبق غيره في كثير من المجالات، والتفت إلى موارده الطبيعية، من أجل تحصين استراتيجي بعيد المدى، في بؤرة المواجهات التي تستهدف الأردن بشكل سافر، ويعمل الأردن الفريد على المضي في تنفيذ الناقل الوطني، وتطوير حقل الريشة، وكشوفات التعدين، ومشاريع سكك الحديد وتطوير الموانئ والمطارات والمعابر البرية، وتحسين طرق المواصلات، وإنشاء الحدائق والملاعب، والبدء بالمدينة الجديدة "عمرة" ومحاربة الفساد والتوسع في الخدمات الإلكترونية، والتطوير الإداري وتجويد التعليم والقطاع الصحي والسعي للتعافي في قطاع السياحة وربطها بالثقافة التنويرية، وغيرها من المشاريع في جميع القطاعات الاقتصادية والفئات المجتمعية.
اليوم فإن الأردن الحصين ليس ردة فعل آنية، لكنه نهج صبغ مراحل بناء الدولة ولم يتوقف حتى في لحظات الهدوء الإقليمية القصيرة، فقد كشفت المواجهات والتحديات في السنوات الأخيرة، نجاعة الأردن الحصين، وهنا لابد من عزل الأصوات الداخلية التي تغرد خارج السرب، والتي تسعى إلى الفت في عضد الدولة، وخلق حالة من زعزعة الإيمان بها والتشكيك في منجزها ونهجها، ومنها أصوات تغذي بعض غربان الخارج الذي يؤلمه ما وصل إليه الأردن من صلابة ومنعة وقدرة على مجابهة المخاطر والمضي قدما في التنمية والتحديث، هذه القوى المعروفة فهي كثيرة الجعجعة ولا تنتج طحينا، علينا مواصلة تعريتها وعزلها، ووضعها في خانة اللاوطنية، فنقاء السريرة هو سر نقاء وبهاء المسيرة الوطنية.