الحماية الدستورية للأطفال في الفضاء الرقمي

تاريخ النشر : الاثنين 11:28 7-9-2026
أ. د. ليث كمال نصراوين

أصدر المجلس الدستوري الفرنسي قبل أيام قراره بإعلان عدم دستورية المادة الأولى من القانون المتعلق بحماية القاصرين من مخاطر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، التي قررت حظرا عاما على استخدام الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس عشرة سنة لهذه المواقع، مع استثناء بعض المنصات ذات الطبيعة التعليمية والعلمية. وقد استند المجلس في قراره إلى المادة (11) من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789، التي تكرس حرية الاتصال والتعبير، معتبرا أن حرية الوصول إلى الخدمات الإلكترونية والتعبير من خلالها تدخل ضمن نطاق هذه الحماية الدستورية.

وفي هذا السياق، أقر المجلس بحق المشرع في التدخل لحماية القاصرين من مخاطر الاستخدام الرقمي، معتبرا أن مواجهة مخاطر الإدمان والمحتوى الإباحي والتنمر والاحتيال تمثل غايات مشروعة لهذا التدخل. إلا أن القيود المفروضة لتحقيق هذه الغايات يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة معها، وهو ما لم يتحقق في القانون محل الطعن؛ إذ جاء الحظر عاما ليشمل مختلف شبكات التواصل دون تمييز كاف بحسب طبيعتها ودرجة مخاطرها، وأخضع جميع القاصرين دون الخامسة عشرة للحكم ذاته دون مراعاة أعمارهم ودرجة نضجهم.

كما أخذ المجلس الدستوري على القانون تهميشه دور الأسرة؛ إذ لم يمنح الوالديْن أو الممثل القانوني إمكانية السماح للقاصر باستخدام بعض الخدمات الإلكترونية تحت إشرافهم ومتابعتهم، بما أخل بالتوازن بين مسؤولية الدولة في حماية الطفل ودور الأسرة في تربيته وتوجيهه. وإلى جانب ذلك، أثار تطبيق الحظر مسألة تتعلق بالحق في الخصوصية، إذ يستلزم التحقق من أعمار المستخدمين جميعا، بمن فيهم البالغون، دون أن يحدد القانون بصورة كافية شروط إثبات العمر والضمانات المتعلقة بالبيانات التي يمكن جمعها واستخدامها لهذه الغاية.

ومن ثم، فإن جوهر القرار الصادر بعدم الدستورية لا يتعلق بمشروعية حماية الأطفال من شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما بحدود الوسائل التشريعية التي يجوز استخدامها لتحقيق هذه الحماية؛ فقد اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن مشروعية الغاية لا تكفي وحدها للحكم بدستورية القانون، بل يجب أن تكون الوسائل المقررة لتحقيقها متناسبة معها، وألا تفرض قيودا على الحقوق والحريات تتجاوز ما تقتضيه الضرورة، وأن تقترن بضمانات قانونية تكفل حماية الخصوصية ودور الأسرة.

وعند إسقاط مضامين هذا القرار على الحالة الأردنية، نجد أن التشريعات الوطنية أرست قواعد يمكن البناء عليها لحماية الطفل في البيئة الرقمية، وإن كانت لا تصل إلى تنظيم متكامل لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي. فقانون حقوق الطفل رقم (17) لسنة 2022 يقرر للطفل الحق في حرية الرأي والتعبير مع مراعاة سنه ودرجة نضجه، ويحمي حياته الخاصة، مع التأكيد على حقوق وواجبات الوالدين في التربية والتوجيه. كما يلزم الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات التي تحول دون تعرض الطفل أو وصوله إلى المحتوى الذي ينطوي على الإباحية أو الإساءة أو الاستغلال، واتخاذ التدابير الوقائية لحمايته من الجرائم الإلكترونية.

وتتكامل هذه الأحكام مع ما يقرره قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 من تجريم صور متعددة من الاعتداءات الإلكترونية التي قد يكون الطفل ضحية لها، إلى جانب ما يوفره قانون حماية البيانات الشخصية رقم (24) لسنة 2023 من ضمانات تتعلق بمعالجة البيانات الشخصية.

إلا أن هذه المنظومة التشريعية، على أهميتها، تركز بدرجة كبيرة على مواجهة المحتوى الضار وتجريم الاعتداء بعد وقوعه، في حين تقتضي طبيعة شبكات التواصل تعزيز الحماية الوقائية. ومن هنا، يمكن تطوير إطار قانوني أكثر شمولا لا يقوم بالضرورة على الحظر العام، وإنما يتدرج بحسب سن الطفل وطبيعة المنصة ومخاطرها، مع إلزام المنصات بالتحقق من العمر، وتعزيز خصوصية حسابات الأطفال، ووضع ضوابط على المحتوى الذي تقترحه الخوارزميات للقاصرين.

إن التجربة الفرنسية لا تقدم حجة ضد تنظيم استخدام الأطفال لشبكات التواصل، بل تؤكد حق الدولة وواجبها في حمايتهم. إلا أن الدرس الدستوري المستفاد منها يتمثل في أن الحماية الفاعلة لا تعني الحظر الشامل، وإنما تقتضي تنظيما متدرجا يوازن بين حماية الطفل وحقوقه، ويحافظ على دور الأسرة، ويفرض في الوقت ذاته مسؤوليات واضحة على الشركات التي تدير هذه المنصات. فالطفل في البيئة الرقمية ليس مجرد شخص يجب حمايته من الإنترنت، وإنما هو صاحب حقوق يمارسها من خلاله أيضا؛ والتحدي الحقيقي أمام المشرع هو حمايته من مخاطر العالم الرقمي دون عزله عنه.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعةالأردنية

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }