ومن أكثر الدلائل على نرجسية وغطرسة نتنياهو أنه لم يبدأ خطابه بالدفاع عن إسرائيل، بل بالدفاع عن نفسه، ووجّه كلامه إلى الذين غادروا القاعة، ووصفهم بـ«الجبناء أخلاقياً»، بل دعا من بقي منهم إلى المغادرة أيضاً.
وهنا يبرز «مأزق نيويورك» الذي لم يستطع نتنياهو البقاء فيه إلا لعدة ساعات، فالرجل الذي جاء ليقنع العالم بقوة حجته وجد نفسه مشغولاً بمن خرج من القاعة أكثر من انشغاله بمن بقي فيها، وأعتقد جازماً أن نتنياهو استحضر تاريخه وتاريخ خطبه المدوية في تلك القاعة، وبخاصة خطابه الشهير المكتنز بالأكاذيب، وأقصد هنا خطابه عن إيران وأنها باتت قريبة جداً من صناعة القنبلة النووية في عام 2012.
لقد لجأ نتنياهو إلى «ماكينة الكذب» التي اعتاد عليها على مدى أكثر من عقدين، أي إن كل نقد لإسرائيل يتحول إلى كذب، وكل اعتراض إلى معاداة للسامية، وكل خصم سياسي يتحول إلى شريك للإرهاب، وكل حكومة غربية تنتقد إسرائيل تصبح بصورة أو بأخرى أسيرة لضغوط اليسار. هكذا هاجم بريطانيا وفرنسا وتركيا وقطر، وفتح مواجهة شخصية مع عمدة نيويورك زهران ممداني، في خطابه الذي بدا في أجزاء منه أقرب إلى خطاب انتخابي داخلي منه إلى كلمة موجهة إلى مجتمع دولي.
أما أسلوبه، فقد اعتمد المنطق «الغوبلزي» القائم على التضليل، فعندما يُسأل نتنياهو عن غزة، ينتقل إلى 7 أكتوبر، وعندما يُسأل عن الضحايا الفلسطينيين، ينتقل إلى حماس، وعندما تُثار قضية العزلة الدولية، يتحدث عن إيران، وعندما ينتقده الغرب، يستدعي تاريخ بريطانيا وفرنسا الاستعماري. وهكذا يصبح الماضي حاضراً، ويصبح الخصم هو القضية. أما الأكثر غرابة، فهو أن نتنياهو قال إن إسرائيل، وهي تدافع عن نفسها، تدافع أيضاً عن كثير من الدول التي غادرت القاعة، في محاولة يائسة لمواصلة التضليل حتى آخر رمق.
لا يستطيع نتنياهو أن يأمر العالم بالبقاء في القاعة، كما لا يستطيع أن يفسر خروج هذا العدد الكبير من الوفود باعتباره مؤامرة عليه وعلى إسرائيل، فالمشهد الذي سجلته كاميرات العالم لمغادرة الوفود قاعة الجمعية العامة سيبقى واحداً من المشاهد العالقة في ذاكرة المكان والإنسانية، تماماً كمشهد «حذاء خروتشوف»، وكلمات تشي جيفارا المعدودة عن الثورة الكوبية، ومشهد كوفية ياسر عرفات وغصن الزيتون، فهذه كلها مشاهد لم ولن تُنسى.
ولأن نتنياهو خبير بالإعلام ويدرك قيمة الصورة، لم يتمالك نفسه، فقام بشتم الوفود المغادرة ووصفها بالجبانة وعديمة الأخلاق، لإدراكه أن التاريخ سيدخله خانة «المنبوذ»، وأن صورته وهو منفعل ومتوتر ومتشنج لا يمكن محوها من كاميرات العالم. لقد أراد نتنياهو أن يجعل من منصة الأمم المتحدة مسرحاً لاستعراض القوة، فإذا بالمقاعد الفارغة تصبح هي العنوان، وأراد أن يظهر باعتباره الرجل الذي يواجه العالم دفاعاً عن إسرائيل، فإذا بالمشهد يوحي بصورة أخرى: إسرائيل تزداد عزلة بسبب سياساته وسياسات اليمين الإرهابي الذي يعتاش على الدم الفلسطيني والعربي.
وهنا لا تكمن المفارقة في أن العالم خرج من القاعة، بل في أن نتنياهو نفسه لم يدرك أن خروجهم كان خطاباً أكثر وضوحاً من خطابه، وأنه تورط بكامل إرادته في صناعة واحدة من اللقطات المهمة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، والتي لن تُنسى.
Rajatalab5@gmailcom