لم تكن جملة بروتوكولية، كانت إعلاناً عن عقيدة دولة، ودور، وإرث.. فالملك تحدث عن مكوّن أصيل من تاريخ المنطقة، وربط حمايته بحماية الإسلام نفسه من خطاب الكراهية، وبمسؤولية قانونية وتاريخية محددة هي الوصاية الهاشمية.
وهو إرث يمتد إلى جذور الوصاية؛ مطلع القرن الماضي، مع تولى الشريف الحسين بن علي إعمار المسجد الأقصى، ودور الأردن كضامن قانوني للوضع التاريخي القائم في الحرم الشريف وكنيسة القيامة معاً، وهو من يتصدى للانتهاكات وهجمات المستوطنين على المقدسات الإسلامية والمسيحية دون تمييز.
وإذا كانت القدس هي رمز الوصاية، فالمغطس هو دليلها المادي داخل الأردن؛ على الضفة الشرقية لنهر الأردن يقع موقع عماد السيد المسيح، حيث تعمّد على يد يوحنا المعمدان.
فالأردن عزز الحرص على الحفاظ على الأماكن الدينية المسيحية في الأردن ورعايتها، خاصة موقع عمّاد السيد المسيح، عليه السلام، (المغطس).
وهو الموقع الواقع على الضفة الشرقية لنهر الأردن. المغطس يحوّل عبارة "الموطن الأصلي" من شعار إلى جغرافيا.
وبين وثائق الوصاية؛ وهي كثيرة؛ ما تذكره الصحف في يناير 1964، وفي دار القاصد الرسولي على جبل الزيتون التي لا تبعد أكثر من 400 متر عن البطريركية الأرثوذكسية، تعانق البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أثيناغوراس؛ كان أول لقاء بين زعيمي الكاثوليكية والأرثوذكسية منذ سنة 1438.
الصحف الأردنية غطت الحدث كتبت أن البابا والبطريرك اختليا 14 دقيقة، وتبادلا الهدايا، وصليا معاً؛ ووصفت الزيارة بأنها تاريخ من النور؛ ووصف قداسة البطريرك أثيناغوراس هذا اللقاء بأنه تاريخي بعدما تعانق الزعيمان الدينيان وفي اليوم التالي واصل البابا رحلته إلى الناصرة وطبريا وجبل التطويبات.
القدس التي استضافت هذا اللقاء كانت تسمى حينها "القدس العربية" وكانت تحت الإدارة الأردنية.
والأردن الهاشمي كان الشاهد والمضيف لأول مصالحة مسيحية كبرى بعد الانشقاق الكبير عام 1054م.
من ذلك العناق إلى خطاب الأمم المتحدة، شعاع واحد؛ فالأردن يقول إن المسيحية ليست وافدة على المشرق، بل هي من نهر الأردن حيث بدأت، ومن القدس حيث استمرت، وحمايتها أمانة هاشمية مستمرة من المغطس إلى القيامة.
هو دور موصول؛ يحمي الحق، ويعبر عن وجه المنطقة وإرثها المتسامح الحقيقي، رغم كل التحولات المعاشة في منطقتنا، ومنعطفاتها الحادة.