تشير البيانات إلى أن الإيرادات المحلية بلغت نحو 5.703 مليار دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مقارنة بنحو 5.634 مليار دينار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت نحو 69.5 مليون دينار، وبنمو يقارب 1.2%. وقد تبدو هذه الزيادة محدودة عند النظر إليها كنسبة مئوية، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما نضعها في سياق إقليمي ما زال يفرض ضغوطاً على التجارة والسياحة والاستثمار وحركة الأعمال.
الأكثر إيجابية أن الإيرادات الضريبية خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 بلغت نحو 3.055 مليار دينار، مقارنة بنحو 3.018 مليار دينار في الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقارب 37 مليون دينار. كما ارتفعت الإيرادات الأخرى من نحو 1.595 مليار إلى 1.629 مليار دينار، بزيادة تقارب 35 مليون دينار. وهذا يعني أن التحسن في الإيرادات المحلية لم يعتمد على مصدر واحد، وإنما جاء من أكثر من قناة إيرادية.
كما ارتفعت المنح الخارجية من نحو 25.3 مليون دينار خلال الفترة نفسها من 2025 إلى نحو 100.1 مليون دينار في 2026. ونتيجة لذلك، ارتفع إجمالي الإيرادات والمنح من نحو 5.659 مليار دينار إلى 5.803 مليار دينار، بزيادة بلغت نحو 144 مليون دينار.
والأكثر أهمية أن الإيرادات المحلية أصبحت قريبة جداً من تغطية كامل النفقات الجارية. فقد بلغت النفقات الجارية خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 5.692 مليار دينار، مقابل إيرادات محلية بلغت 5.703 مليار دينار. أي أن الإيرادات المحلية غطت نحو 100.2% من النفقات الجارية.
هذه النسبة تحمل رسالة إيجابية مهمة. ففي الفترة نفسها من 2025 كانت الإيرادات المحلية البالغة 5.634 مليار دينار تغطي نحو 104.5% من النفقات الجارية البالغة 5.390 مليار دينار. وبالتالي، ورغم تراجع هامش التغطية، ما زالت الدولة قادرة تقريباً على تمويل نفقاتها الجارية من مواردها المحلية.
صحيح أن النفقات العامة ارتفعت من 5.833 مليار دينار إلى 6.148 مليار دينار، أي بنحو 315 مليون دينار أو 5.4%، وهي نسبة أعلى من نمو الإيرادات المحلية البالغ نحو 1.2%. وهذه مسألة تستحق المتابعة، خصوصاً أن جزءاً من النفقات يتأثر بعوامل خارجية، من بينها تطورات أسعار الطاقة والنفط، التي يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على كلفة المشتقات النفطية والنقل والتشغيل والخدمات.
فالنفقات الجارية ارتفعت بنحو 302 مليون دينار، من 5.390 مليار إلى 5.692 مليار دينار، في حين ارتفعت النفقات الرأسمالية من 442.3 مليون إلى 456.1 مليون دينار، أي بنحو 13.8 مليون دينار فقط. وهذه نقطة مهمة، لأن تحسين المالية العامة لا يعني خفض الإنفاق بصورة عشوائية، وإنما إعادة توجيهه تدريجياً نحو الإنفاق الذي يرفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد.
ومن المؤشرات التي تستحق الاهتمام أيضاً أن العجز بعد المنح ارتفع من نحو 173.6 مليون دينار إلى 344.8 مليون دينار خلال الفترة المقارنة. ورغم ذلك، فإن وجود قاعدة إيرادية محلية قوية يمنح السياسة المالية مساحة مهمة لمعالجة هذا العجز من خلال تحسين كفاءة الإنفاق وزيادة النمو الاقتصادي بدلاً من الاعتماد بصورة أكبر على زيادة الضرائب.
الرسالة الأهم من هذه الأرقام ليست أن الاقتصاد الأردني وصل إلى مرحلة مثالية، وإنما أنه يمتلك قدرة حقيقية على الصمود. كما أن ارتفاع إجمالي الإيرادات والمنح خلال الأشهر الخمسة الأولى إلى نحو 5.8 مليار دينار، مقارنة بنحو 5.66 مليار دينار في الفترة نفسها من العام السابق، يؤكد أن المالية العامة ما زالت قادرة على التعامل مع الظروف الصعبة دون فقدان قدرتها على توليد الموارد.
قد تبدو الزيادة في الإيرادات المحلية البالغة نحو 69.5 مليون دينار رقماً صغيراً مقارنة بحجم الاقتصاد، لكنها تحمل معنى أكبر من قيمتها الحسابية. فهي تعني أن الاقتصاد الأردني، رغم الظروف الإقليمية الصعبة، ما زال قادراً على توليد الإيرادات والمحافظة على قدرته المالية. وهذه ربما تكون أهم رسالة في هذه الأرقام: أن الصمود الاقتصادي لا يظهر دائماً في القفزات الكبيرة، بل أحياناً يظهر في قدرة الاقتصاد على الحفاظ على توازنه عندما تكون الظروف من حوله صعبة.