هذا السؤال لا ينتقص من قيمة الانتخابات ولا من حق المواطنين في اختيار ممثليهم، بل ينطلق من تجربة طويلة تستحق المراجعة، فمنذ سنوات ونحن نشهد على مجالس بلدية نجحت وأخرى أخفقت، لكن المحصلة العامة تشير إلى تحديات كبيرة في مستوى الخدمات، وتراكم المديونية، وضعف الكفاءة الإدارية، وتغليب الاعتبارات الانتخابية في كثير من الأحيان على الاعتبارات المهنية والتنموية.
لقد وصلت مديونية البلديات إلى مستويات تجاوزت 600 مليون دينار قبل أن تتدخل الحكومة لإعادة هيكلتها وجدولتها لتصبح نحو 300 مليون دينار، وهو مؤشر على أن النموذج الحالي بحاجة إلى مراجعة جادة، لا إلى الدفاع عنه باعتباره أمرا مسلما به، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، لماذا نصر على أن يكون المجلس البلدي هو من يخطط وينفذ في الوقت ذاته؟.
في معظم الأنظمة الإدارية الحديثة يكون هناك فصل واضح بين من يضع السياسات ويراقب الأداء، ومن يتولى التنفيذ والإدارة اليومية، وهذا يدفعنا الى ان نجرب نموذجا مختلفا يقوم على تعيين مدير بلدية يمتلك الكفاءة والخبرة الإدارية، يتولى إدارة الجهاز التنفيذي بكامل مسؤولياته، ويكون مسؤولا عن تنفيذ الخطط والمشروعات وتحسين الخدمات، في حين يحتفظ المجلس البلدي المنتخب بدوره الأصيل في رسم السياسات.
بمعنى آخر، لماذا لا تصبح البلدية أقرب إلى نموذج الدولة نفسها؟ حكومة تنفيذية تدير، وبرلمان منتخب يراقب ويحاسب ويشرع، فالفصل بين السلطات لم يكن يوما انتقاصا من الديمقراطية، بل كان أحد أهم أسباب نجاحها.
إن وجود مدير بلدية محترف، يخضع لمعايير واضحة في الاختيار والتقييم والمساءلة، قد يحد من القرارات الشعبوية التي تمليها الحسابات الانتخابية، ويعزز الاستقرار الإداري، ويمنح المؤسسة البلدية استمرارية في تنفيذ المشاريع بعيداً عن تغير المجالس كل أربع سنوات.
وفي المقابل، فإن المجلس البلدي سيصبح أكثر قدرة على ممارسة دوره الرقابي الحقيقي، بدلا من الانشغال بالتفاصيل التنفيذية والتعيينات اليومية ومتابعة الأعمال التشغيلية، وهي مهام يفترض أن تكون من اختصاص الإدارة التنفيذية المحترفة.
خلاصة القول، لا أحد يدعي أن التعيين وحده الحل، كما أن الانتخاب وحده ليس ضمانة للنجاح، فكم من مسؤول معين نجح، وكم من مجلس منتخب أخفق، والعكس صحيح، وهنا القضية تتعلق ببناء نظام مؤسسي يوزع المسؤوليات بوضوح، ويمنع تضارب الأدوار، ويجعل لكل جهة اختصاصا محددا يمكن مساءلتها عنه، فلماذا لا نجرب ونكتفي بالمعارضة فقط وكأن البعض يقول وجدت لاعارض فقط.