القراءة النوعية للأرقام تكشف أن القفزة لم تكن مجرد طفرة نمو مفاجئة، بل جاءت بنسبة كبيرة كـ إنصاف إحصائي قادته دائرة الإحصاءات العامة بمهنية عالية عبر إعادة تأسيس الحسابات القومية وتحديث سنة الأساس، وهذا الجهد الوطني أظهر أن حجم الاقتصاد الأردني الحقيقي كان أكبر بنحو 10% مما كانت تقيده التقديرات السابقة، ما يعني أننا كنا أمام اقتصاد مظلوم إحصائيا لسنوات.
وبالتوازي مع هذا التصحيح الإحصائي، لا يمكن "إنكار جهود" الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، فنحن نتحدث عن اقتصاد واصل تحقيق نمو مستقر، مدفوعا بقفزات واضحة بالصادرات الوطنية وحصافة نقدية قادها البنك المركزي، وحافظت على المؤشرات الكلية في أمان رغم الاضطرابات المحيطة بالحدود وسلاسل التوريد.
هنا يبرز التساؤل المشروِع الذي يدور في خلد الشارع والمواطن "إذا كان دخلنا قد ارتفع في تقارير البنك الدولي، فلماذا لا نشعر به في جيوبنا؟"، والإجابة الصادقة تكمن في أن هذا الارتفاع هو رقم "متوسط" و"إحصائي" يعكس حجم الاقتصاد الكلي، ويحتاج إلى مسار زمني أطول لترجمة هذه الأرقام إلى واقع ملموس في حياة المواطنين اليومية.
هذا التصنيف يحمل بطياته مكاسب استراتيجية لا يمكن الاستهانة بها، فهو يمثل صك ثقة متجدد يرفع من الجاذبية الاستثمارية للمملكة أمام الكتل الاستثمارية والصناديق الدولية/ الانتقال لهذه الفئة يعزز الجدارة الائتمانية للأردن، ويبعث برسالة واضحة للأسواق العالمية أن البيئة الاقتصادية الأردنية بيئة امنة، ومستقرة، وقادرة على توليد الفرص والنمو رغم عواصف الإقليم.
خلاصة القول، الأردن اليوم يقف في مربع اقتصادي جديد، يتطلب فكرا إداريا واقتصاديا مختلفا يواكب هذا الانتقال، لهذا علينا إنجاح التحديث الاقتصادي، لتسريع وتيرة النمو الفعلي وضمان توزيع مكتسباته، وتحويل هذا الاعتراف الدولي ألى محرك لإنتاج فرص العمل والارتقاء بمعيشة الأردنيين.