عندما اتخذت الحكومة قرارها باعتماد المواصفات الأردنية والأمريكية والأوروبية والخليجية شرطا لاستيراد المركبات، لم يكن الهدف التضييق على أحد أو الإضرار بالاستثمار، بل حماية المستهلك الأردني وضمان حصوله على مركبة آمنة وقابلة للصيانة وتحظى بخدمات ما بعد البيع والكفالات الحقيقية، فالدولة مسؤولة أولا وأخيرا عن سلامة مواطنيها، وليس عن تعظيم أرباح فئة معينة.
ورغم وضوح أهداف القرار، ما زال البعض يهاجمه بحجة أنه ألحق الضرر بأعمالهم واستثماراتهم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، ماذا عن مصالح الأردنيين الذين دفعوا لسنوات طويلة ثمن الفوضى التي سادت سوق المركبات؟ ماذا عن الأسر التي اشترت مركبات اكتشفت لاحقا أنها تعاني من عيوب فنية خطيرة؟ وماذا عن المواطنين الذين واجهوا صعوبات كبيرة في الحصول على قطع الغيار أو خدمات الصيانة المناسبة أو تنفيذ الكفالات التي وعدوا بها عند الشراء؟.
الجهات المختصة تلقت مئات الشكاوى المتعلقة بغياب الكفالات الحقيقية، ووجود عيوب مصنعية، وعدم توفر مراكز صيانة مؤهلة، إضافة إلى مشكلات تتعلق بقطع الغيار والكفالات الوهمية، وهذه الوقائع تؤكد أن تنظيم السوق لم يكن خيارا، بل ضرورة لحماية المستهلك وتعزيز الثقة في قطاع مهم يمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
ولا يمكن تجاهل جانب السلامة العامة، وهو الأهم في هذا الملف، فالجميع يتذكر الحوادث المتكررة المرتبطة ببعض المركبات غير المطابقة للمواصفات، بما في ذلك حالات الحرائق والأعطال الخطيرة التي عرضت حياة الناس للخطر. ولذلك فإن الالتزام بالمواصفات الفنية المعتمدة ليس إجراءً بيروقراطياً، بل هو خط دفاع أساسي لحماية الأرواح والممتلكات.
إن الضغوط التي تمارس اليوم على الحكومة للتراجع عن هذا القرار ينبغي أن لا تنجح، لأن أي تراجع سيعني العودة إلى مرحلة الفوضى التي دفع المواطن ثمنها لسنوات، فالمعادلة هنا واضحة، وتكمن في أن الاستثمار مهم، وتشجيع التجارة ضرورة اقتصادية، لكن سلامة المواطن وحماية حقوقه يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
خلاصة القول، نجاح أي سياسة حكومية يقاس بقدرتها على حماية المواطن وتحقيق المصلحة العامة، أما الاستثمار الحقيقي والمستدام، فهو الذي يلتزم بالمعايير والمواصفات ويقدم منتجا آمنا وعادلا للمستهلك، لا ذلك الذي يبحث عن الأرباح السريعة على حساب سلامة الناس وحقوقهم بحجج الاستثمار.