فخلال العقدين الماضيين واجه الأردن ظروفاً استثنائية بدأت بالحرب على العراق عام 2003، وما تبعها من تغيرات في حركة التجارة والطاقة، ثم الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتداعيات الربيع العربي، وإغلاق العديد من المنافذ والأسواق التقليدية أمام الصادرات الأردنية. ولم تكد المملكة تتجاوز آثار تلك التحديات حتى واجهت جائحة كورونا وما خلفته من انكماش اقتصادي عالمي، ثم الحرب الروسية الأوكرانية وما نتج عنها من ارتفاعات حادة في أسعار الغذاء والطاقة، وأخيراً الحرب على غزة وما رافقها من حالة عدم يقين إقليمي أثرت على حركة التجارة والسياحة والاستثمار.
ورغم هذا الكم الكبير من الصدمات المتلاحقة، فإن الاقتصاد الأردني تمكن من الحفاظ على درجة معقولة من الاستقرار المالي والنقدي. فلم يشهد إنخفاضات في سعر الصرف، ولم يتعرض القطاع المصرفي لأزمات هيكلية، كما استمرت الدولة في الوفاء بالتزاماتها المالية المحلية والخارجية دون تعثر. وهذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة إذا ما قورنت بدول أخرى تمتلك موارد أكبر لكنها واجهت أزمات حادة في عملاتها أو أنظمتها المالية نتيجة تعرضها لصدمات مشابهة.
ويبدو أن أحد أهم أسباب هذا الصمود يتمثل في نجاح الأردن في بناء ما يمكن وصفه بمظلة حماية اقتصادية قائمة على مجموعة من الركائز المؤسسية والمالية والنقدية التي تطورت عبر سنوات طويلة من الإصلاح والتكيف مع المتغيرات. ففي الوقت الذي أصبحت فيه التقلبات العالمية أكثر حدة، أثبتت التجربة الأردنية أن قوة المؤسسات الاقتصادية قد تكون أكثر أهمية من حجم الموارد الطبيعية في تحديد قدرة الدول على مواجهة الأزمات.
ومن أبرز عناصر هذه المظلة الاستقرار النقدي الذي شكل خط الدفاع الأول أمام الصدمات الخارجية، فقد ساهم ارتباط الدينار الأردني بالدولار الأمريكي في توفير مرساة نقدية واضحة عززت الثقة بالعملة الوطنية وحدّت من تقلبات أسعار الصرف والتضخم المستورد. كما حافظ البنك المركزي على مستويات قوية من الاحتياطيات الأجنبية، ما وفر قدرة عالية على مواجهة الضغوط الخارجية وحماية الاستقرار النقدي في أصعب الظروف الإقليمية والدولية.
إلى جانب ذلك، لعب القطاع المصرفي دوراً محورياً في تعزيز مرونة الاقتصاد الأردني. فخلال الأزمات العالمية المتعاقبة أثبتت البنوك الأردنية قدرتها على المحافظة على الاستقرار المالي بفضل مستويات الرسملة المرتفعة والإجراءات الرقابية الحذرة وإدارة المخاطر الفعالة. وقد ساهم ذلك في الحفاظ على ثقة المودعين واستمرار تدفق التمويل إلى القطاعات الاقتصادية المختلفة، ومنع انتقال الصدمات الخارجية إلى النظام المالي المحلي بصورة تهدد الاستقرار الاقتصادي.
كما ساهمت برامج الإصلاح الاقتصادي التي نفذها الأردن على مدار سنوات طويلة في تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات. ورغم الجدل الذي يرافق هذه البرامج في كثير من الأحيان، فإنها ساعدت في ترسيخ الانضباط المالي وتحسين كفاءة المؤسسات الاقتصادية وتعزيز البيئة الاستثمارية. ومع إطلاق رؤية التحديث الاقتصادي، انتقل التركيز من مجرد تحقيق الاستقرار المالي إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على خلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار وتعزيز التنافسية.
وتعكس الأسواق المالية الدولية جانباً من هذه الثقة المتنامية بالاقتصاد الأردني. فاستمرار قدرة المملكة على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية وتحسن شروط الاقتراض مقارنة بفترات سابقة يشيران إلى أن المستثمرين ينظرون إلى الأردن باعتباره اقتصاداً قادراً على إدارة المخاطر والحفاظ على استقراره المالي. فالأسواق لا تتأثر بالشعارات أو الانطباعات، بل تبني قراراتها على تقييم دقيق لقدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها واستدامة أوضاعها الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن النجاح في تحقيق الاستقرار لا يعني انتهاء التحديات. فالأردن ما يزال يواجه قضايا جوهرية تتعلق بارتفاع معدلات البطالة والحاجة إلى تسريع النمو الاقتصادي وجذب المزيد من الاستثمارات القادرة على خلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة. ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التركيز على إدارة الأزمات إلى التركيز على استثمار الفرص، عبر تعزيز الإنتاجية والابتكار ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
إن نجاح الأردن خلال السنوات الماضية في بناء مظلة حماية اقتصادية ساعدته على تجاوز العديد من العواصف التي ضربت المنطقة والعالم. صحيح أن هذه المظلة لم تمنع تأثير الأزمات بشكل كامل، لكنها حدّت من آثارها ومنعت تحولها إلى أزمات هيكلية تهدد الاستقرار الاقتصادي. واليوم يقف الأردن أمام مرحلة جديدة لا يكفي فيها مجرد الصمود، بل يصبح المطلوب توظيف هذا الاستقرار المتحقق في تحقيق قفزة تنموية حقيقية تنعكس على النمو وفرص العمل ومستويات المعيشة، لأن الاقتصادات الناجحة لا تقاس فقط بقدرتها على تحمل الأزمات، بل بقدرتها على تحويل الاستقرار إلى تنمية مستدامة وازدهار طويل الأمد.