كلما تصاعدت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، اتجهت الأنظار إلى أسواق النفط والغاز باعتبارهما أول المتأثرين بالأزمات الجيوسياسية. غير أن الحرب التي كانت دائرة في المنطقة وما رافقها من مخاطر على الملاحة البحرية في مضيق هرمز، كشفت عن تهديد اقتصادي آخر أقل ظهوراً لكنه لا يقل خطورة، يتمثل في أسواق الأسمدة العالمية وما يرتبط بها من أمن غذائي واستقرار اقتصادي عالمي.
فعلى الرغم من أن العالم اعتاد قياس تداعيات الحروب في المنطقة من خلال أسعار النفط، إلا أن الأسمدة أصبحت اليوم أحد أكثر المكونات حساسية في منظومة الإنتاج الزراعي العالمية. وتشير تقديرات دولية حديثة إلى أن نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، بينما تنتج دول الخليج ما يقارب 40% من تجارة اليوريا العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الشحن أو الإنتاج عاملاً مؤثراً في الأمن الغذائي العالمي خلال السنوات المقبلة.
تكمن خطورة الأسمدة في أنها تمثل مدخلاً أساسياً للإنتاج الزراعي وليس سلعة يمكن الاستغناء عنها بسهولة. فالمزارعون حول العالم لا يستطيعون تأجيل مواسم الزراعة أو انتظار استقرار الأوضاع السياسية قبل اتخاذ قراراتهم الإنتاجية. وتحتاج المحاصيل الزراعية إلى كميات محددة من الأسمدة خلال فترات زمنية دقيقة، وأي نقص في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الأسعار ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي والإنتاجية الزراعية.
وتشير الدراسات الدولية إلى أن الأسمدة تمثل ما بين 30% و50% من تكاليف الإنتاج الزراعي لبعض المحاصيل الرئيسية، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعارها ينتقل بشكل مباشر إلى أسعار الغذاء. وقد أظهرت أزمة الحرب الروسية الأوكرانية حجم هذا الترابط، إذ ارتفعت أسعار بعض أنواع الأسمدة بأكثر من 100% خلال فترات معينة، الأمر الذي دفع العديد من المزارعين في الدول النامية إلى تقليص استخدامها، وهو ما انعكس لاحقاً على مستويات الإنتاج الزراعي.
ما يجعل الأزمة الحالية أكثر تعقيداً هو أن العالم يمتلك احتياطيات استراتيجية ضخمة من النفط تمكنه من امتصاص الصدمات قصيرة الأجل، بينما لا توجد احتياطيات عالمية مماثلة للأسمدة. وبالتالي فإن أي تعطيل للإنتاج أو التصدير في الدول الرئيسية المنتجة للأسمدة قد يؤدي إلى نقص فعلي في المعروض العالمي، وليس مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار.
ومن الناحية الاقتصادية، لا تتوقف التداعيات عند القطاع الزراعي. فارتفاع أسعار الأسمدة يعني زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، الأمر الذي ينتقل تدريجياً إلى أسعار الغذاء. ومع استمرار الضغوط التضخمية التي تشهدها الاقتصادات العالمية منذ جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، فإن أي موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء قد تعيد إحياء مخاوف التضخم وتدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترات أطول.
وتعد الدول النامية الأكثر عرضة لهذه المخاطر، نظراً لاعتمادها الكبير على استيراد الغذاء ومدخلات الإنتاج الزراعي. ففي هذه الدول، لا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الغذاء على زيادة التضخم فحسب، بل يمتد إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، واتساع معدلات الفقر، وزيادة الضغوط على الموازنات العامة التي تضطر إلى تخصيص موارد إضافية لدعم السلع الأساسية أو تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.
كما أن أزمة الأسمدة تحمل بعداً زمنياً مختلفاً عن أزمات الطاقة. فالتأثيرات الكاملة لأي نقص في الأسمدة لا تظهر فوراً، بل تتجسد بعد أشهر أو حتى مواسم زراعية كاملة عندما تتراجع الإنتاجية الزراعية وتنخفض كميات المحاصيل المعروضة في الأسواق. وهذا يعني أن العالم قد لا يشعر اليوم بالحجم الكامل للمخاطر، لكنه قد يواجه آثارها خلال عامي 2026 و2027 إذا استمرت الاضطرابات الحالية أو تفاقمت.
ويقدر خبراء الأمن الغذائي أن مليارات البشر يعتمدون بشكل غير مباشر على الأسمدة الحديثة في إنتاج الغذاء الذي يستهلكونه يومياً. ولذلك فإن أي اختلال طويل الأمد في أسواق الأسمدة لا يمثل أزمة زراعية فحسب، بل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي العالمي وللاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في العديد من الدول.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تنويع سلاسل الإمداد الزراعية وتعزيز الاستثمار في الأمن الغذائي باعتباره جزءاً من الأمن القومي والاقتصادي للدول. فالأزمات الأخيرة أثبتت أن الغذاء لم يعد مجرد قضية زراعية، بل أصبح قضية استراتيجية مرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية والاستقرار الجيوسياسي.
أما بالنسبة للأردن، فإن التطورات الحالية تحمل جانبين متناقضين. فمن جهة، يظل الأردن عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية بحكم اعتماده على الاستيراد لتلبية جزء مهم من احتياجاته الغذائية. ومن جهة أخرى، يمتلك ميزة استراتيجية تتمثل في كونه أحد كبار منتجي الفوسفات والأسمدة في المنطقة، ما قد يتيح فرصاً اقتصادية وصناعية إضافية إذا ارتفع الطلب العالمي على الأسمدة خلال الفترة المقبلة.
وفي المحصلة، تكشف الحرب الحالية عن حقيقة اقتصادية مهمة مفادها أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد تقتصر على أسواق الطاقة وحدها. فالعالم يراقب يومياً أسعار النفط وحركة ناقلات الطاقة في مضيق هرمز، بينما قد يكون الخطر الأكبر كامناً في سلعة أقل ظهوراً لكنها أكثر ارتباطاً بحياة البشر اليومية. وإذا كان النفط يمثل شريان الاقتصاد العالمي، فإن الأسمدة تمثل شريان الأمن الغذائي العالمي. ومن هنا، فإن أي اضطراب طويل الأمد في إنتاجها أو تجارتها قد يتحول من أزمة قطاعية إلى تحدٍ اقتصادي عالمي واسع النطاق، تتجاوز تداعياته حدود الزراعة لتصل إلى النمو الاقتصادي والتضخم والاستقرار الاجتماعي في مختلف دول العالم.