ما يثير الاستغراب أن هذه الفئة لا تترك مناسبة وطنية أو إنجازا اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا إلا وتسارع إلى بث رسائل الإحباط والتشكيك، متسلحة دائما في خطابات شعبوية وشعارات براقة، ظاهرها الحرص على الوطن وباطنها النيل من الثقة وضرب معنويات المجتمع، وإثارة الأكاذيب والشائعات على الحكومة، وآخرها مايتعلق بالبنك الدولي والتوترات بين الرئيس والفريق.
لقد استطاع الأردن، رغم ما يشهده الإقليم من اضطرابات سياسية وأمنية،ورغم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالعالم، أن يحافظ على استقراره السياسي والأمني، وأن يحقق مستوى متقدماً من التماسك الوطني والقدرة على مواجهة التحديات، حتى أصبحت تجربتنا محل تقدير واحترام، بل ومثالا يحتذى به في كثير من المحافل الإقليمية والدولية.
لكن أصحاب "النظارات السوداء" لا يريدون رؤية هذه الحقائق، فهم في كل مرة لا يتوقفون عند الأرقام الاقتصادية الإيجابية، ولا عند المشاريع التنموية التي تتحقق، ولا عند المكانة السياسية التي تعزز حضور الدولة ودورها، بل يبحثون دائما عن أي ثغرة أو تضخيم أي تحدً لتقديم صورة قاتمة ومحبطة للمشهد العام.
والأخطر من ذلك أن بعضهم يحاول تسويق فكرة أن كل إنجاز وهم، وأن كل نجاح مبالغ فيه، وأن كل خطوة إلى الأمام يجب أن تقابل بالتشكيك والاتهام، وكأن المطلوب أن نبقى أسرى السلبية، وأن نغفل عن حقيقة أن البناء والتطوير عملية تراكمية تحتاج إلى الوقت والعمل والصبر.
الأوطان لا تبنى بالتهويل، ولا تتقدم بنشر اليأس، ولا تحافظ على منجزاتها بالاستسلام للأصوات السلبية، بل تبنى بالإيمان بالقدرات والاعتزاز بالإنجازات والعمل المستمر لتطويرها والبناء عليها.
ومن هنا، فإن الواجب الوطني يقتضي أن نحذر من "طيور الظلام" الذين لا يرون في الكأس إلا فراغه، ولا في الإنجاز إلا ما يعتقدون أنه نقص، ولا في النجاح إلا فرصة للتشكيك.
خلاصة القول، التجارب أثبتت أن الأوطان التي تؤمن بنفسها، وبمؤسساتها، وبقدرة أبنائها على الإنجاز، هي الأقدر على تجاوز الأزمات وصناعة المستقبل، وأما دعاة التشاؤم والتقليل من كل نجاح، فلن يكونوا سوى أصوات عابرة بمسيرة وطن يعرف طريقه جيدا نحو مزيد من الاستقرار والتقدم والازدهار، ولهذا احذروا من "طيور الظلام" الناعقة، للننجو بالوطن دائما.