إجمالي الإنتاج الغذائي في المملكة بلغ نحو 4.0 ملايين طن عام 2024 مقارنة مع 3.6 ملايين طن عام 2020، مسجلاً نمواً نسبته 11.4%. وخلال الفترة نفسها ارتفعت الصادرات الغذائية من 604 آلاف طن إلى نحو 900 ألف طن، وهو ما يعكس تحسناً في القدرة التنافسية للقطاع الزراعي الأردني وقدرته على الوصول إلى الأسواق الخارجية. غير أن الواردات الغذائية ارتفعت أيضاً من 3.28 ملايين طن إلى 3.42 ملايين طن، ما يعني أن زيادة الإنتاج لم تكن كافية لتقليص الاعتماد على الخارج بصورة جوهرية.
البيانات تظهر أيضاً أن التحسن في الاكتفاء الذاتي جاء أساساً من قطاع الخضراوات والمحاصيل الشجرية. فقد ارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي للخضروات إلى 137% مقارنة مع 121% عام 2020، بينما ارتفعت نسبة الاكتفاء للمحاصيل الشجرية من 75% إلى 89%. كما سجلت بعض المحاصيل فوائض إنتاجية ضخمة، إذ بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي للشمام 485%، والمشمش 271%، والكوسا 173%، والبندورة 167%، والتمر الطازج 146%. وتشير هذه الأرقام إلى أن الأردن لا يكتفي بتغطية احتياجاته المحلية من هذه المنتجات، بل يمتلك فائضاً موجهاً للتصدير.
كما يبرز نجاح قطاع الزيتون بوصفه أحد أهم قصص النجاح الزراعية في المملكة. فقد حقق الزيتون نسبة اكتفاء ذاتي بلغت 100%، بينما وصلت نسبة الاكتفاء من زيت الزيتون إلى 114%، ما يعكس استقراراً إنتاجياً وقيمة مضافة مرتفعة لهذا القطاع الذي يعد من أكثر القطاعات الزراعية قدرة على التصدير وتحقيق الدخل للمزارعين.
المفارقة أن تحقيق فوائض إنتاجية في عدد من الخضراوات والفواكه لم ينعكس بالضرورة على انخفاض أسعارها للمستهلك. فالسعر لا تحدده وفرة الإنتاج وحدها، بل يتأثر أيضاً بكلف الزراعة والنقل والتخزين والتسويق. لذلك قد يشكو المزارع أحياناً من تدني الأسعار إلى مستويات لا تغطي كلفة الإنتاج، فيما يشتكي المستهلك في الوقت نفسه من ارتفاعها، ما يشير إلى أن التحدي يكمن في كفاءة حلقات التسويق وسلسلة التوريد أكثر من كونه في حجم الإنتاج ذاته.
على مستوى الإنتاج الحيواني، حقق الأردن اكتفاءً ذاتياً كاملاً في الحليب الطازج بمختلف أنواعه، كما حافظ بيض المائدة على نسبة اكتفاء بلغت 108%. كذلك ارتفعت نسبة الاكتفاء من اللحوم الحمراء من 28% عام 2020 إلى 36% عام 2024، وهو تحسن إيجابي لكنه لا يزال بعيداً عن تحقيق الأمن الغذائي الكامل في هذا القطاع. في المقابل تراجعت نسبة الاكتفاء من لحوم الدجاج بشكل طفيف من 84% إلى 83% رغم ارتفاع الإنتاج إلى أكثر من 302 ألف طن.
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند النظر إلى السلع الاستراتيجية. فالأردن ما يزال يعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد الحبوب والسكر والأرز والبقوليات الجافة والأسماك والزيوت النباتية. وتكشف الأرقام أن نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح لم تتجاوز 3%، بينما بلغت 0% للأرز والسكر، و1% فقط للبقوليات الجافة، و9% للأسماك والمنتجات البحرية. وهذه المؤشرات تعكس هشاشة هيكل الأمن الغذائي الوطني أمام الصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية وسلاسل التوريد.
وتتضح هذه الفجوة بصورة أكبر عند مقارنة الإنتاج المحلي بالواردات. فقد استورد الأردن أكثر من 1.13 مليون طن من القمح خلال عام 2024 مقابل إنتاج محلي بلغ 34 ألف طن فقط. كما استورد 274 ألف طن من الأرز و352 ألف طن من السكر دون وجود إنتاج محلي فعلي لهذين المنتجين. وهذه الأرقام تؤكد أن التحسن في نسب الاكتفاء الذاتي لا يعني بالضرورة تراجع المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي، لأن السلع الأكثر أهمية في السلة الغذائية الأردنية ما تزال تعتمد على الأسواق الخارجية.
اقتصادياً، تعكس هذه النتائج معادلة مزدوجة. فمن جهة نجح القطاع الزراعي في زيادة الإنتاج وتحقيق فوائض تصديرية مهمة، خاصة في الخضراوات والفواكه وزيت الزيتون، وهو ما يدعم الصادرات الزراعية ويعزز الدخل الريفي. ومن جهة أخرى، ما تزال التحديات المرتبطة بشح المياه وارتفاع كلف الإنتاج ومحدودية الأراضي الزراعية القابلة للتوسع تحول دون تحقيق تقدم مماثل في السلع الاستراتيجية.
ويبرز عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في الفاقد والمهدر الغذائي. فبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة يهدر الفرد في الأردن نحو 81.3 كيلوغراماً من الغذاء سنوياً، ما يعني أن تحسين كفاءة الاستهلاك وتقليل الهدر يمكن أن يرفع مستويات الاكتفاء الذاتي بصورة ملموسة دون الحاجة إلى زيادات كبيرة في الإنتاج.
نتائج الميزان الغذائي تظهر أن الأردن حقق تقدماً حقيقياً في تعزيز قدراته الإنتاجية الزراعية ورفع نسبة الاكتفاء الذاتي، إلا أن الأمن الغذائي الشامل ما يزال رهينة القدرة على معالجة الاختلالات الهيكلية في السلع الاستراتيجية. فالتحدي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في زيادة إنتاج الخضراوات والفواكه، بل في بناء منظومة غذائية أكثر مرونة واستدامة تقلل الاعتماد على الخارج وتحصن الاقتصاد الوطني ضد الأزمات العالمية وتقلبات الأسواق الدولية.