كلما وقعت حادثة مؤلمة في الأردن انكفأ أفراد المجتمع يحللون ما حدث ويلقون بالمسؤولية على هذه الجهة أو تلك، ومؤخرا عاش لواء عين الباشا حرباً باردة غير معلنة نتيجة الغذاء الفاسد، قضى ضحيتها طفل وأربعيني، لكن المؤسف أن حوادث الغذاء الفاسد لا تنتهي.
هذه ليست حادثة التسمم الأولى في المملكة، وربما لن تكون الأخيرة، فهي حكاية تتجدد فصولها من وقت لآخر، لعدم الاستفادة من الحوادث السابقة في معالجة مكامن الخلل، بالاكتفاء بغض الطرف.
تطالعنا وسائل الاعلام على نحو متكرر، بأخبار ضبط وإتلاف وإغلاق لمراكز أغذية ومولات ومطاعم وبقالات، لديها مواد غذائية فاسدة على اختلاف أنواعها، فلماذا تتكرر هذه الحوادث؟.
مافيات الغذاء موجودة في كل العالم والأردن ليس استثناء، ويدخل تحت يافطة هذه المافيات التاجر فاسد الخلق والضمير والباحث عن الربح السريع، ويلتحق به في أدنى المراتب المهمل والباحث عن التوفير في استهلاك الكهرباء والأيدي العاملة الملتزمة بالشروط الصحية.
الغذاء قضية وطنية بامتياز وثمن المجاملة فيها أرواح الناس، وخطأ بسيط يربك الدولة بكل مكوناتها وخصوصا الصحية، وهناك مظاهر خلل يجري غض الطرف عنها، أبرزها نقص أعداد الكوادر في مؤسسة الغذاء والدواء، إذ يقوم على مراقبة الغذاء 182 موظفاً في ظل وجود 65 ألف منشأة غذائية في الأردن، وهو عدد يعجز هؤلاء عن مراقبة سلامة الغذاء فيه.
أغلبية المنشآت الغذائية الأردنية لا تخضع فعلياً لرقابة صحية تحدد مدى صلاحية الغذاء للاستهلاك البشري، بحيث تترك هذه المهمة الرئيسية والخطيرة للدوائر الصحية في البلديات التي تمنح التراخيص للمنشآت الصحية، وليس لديها أي أجهزة لفحص صلاحية الغذاء، ويقتصر عملها على جانب شكلي ينحصر غالبا في التدقيق على مدى توافر الشروط الصحية في المنشأة كوجود التبريد أو التحقق من تواريخ الانتاج.
هناك زيادة يومية في عدد المنشآت الغذائية في الأردن، يغيب عن معظمها تطبيق معايير مؤسسة الغذاء والدواء التي تمتلك فقط خمسة مكاتب إقليمية في خمس محافظات في حين لا تزال سبع محافظات بلا مكاتب للمؤسسة، وهو ما يعني وجود خلل رقابي قد ينتج عنه تكرار حوادث التسمم بصورة أو أخرى.
لذا فإن التقصير في الرقابة على الغذاء لا يمكن وضع حد له إلا من خلال رفد المؤسسة بكوادر مؤهلة وكافية لانجاز عملها، وبإمكان هذا المقترح أن يقلل من العبث في غذاء الأردنيين في وقت يصعب فيه القضاء كاملاً على ظاهرة التلاعب به.
في المقابل، فإن تتبع الغذاء ومراقبته يحتاج إلى قوانين رادعة تتجاوز الغرامات المالية في كثير من المخالفات، فلو كان هناك قوانين صارمة لا تتهاون مع أي مخالف متقصد أو مهمل لما ضبطت الأجهزة المعنية أطناناً من الغذاء الفاسد على نحو متكرر.
الغذاء الفاسد يتسلل إلى منشآت أغلبية الدول مهما كانت الرقابة مشددة بطريقة أو بأخرى، والأردن ليس استثناء، ولا يمكن انهاء هذه الظاهرة، لكن بالتأكيد يمكن التخفيف منها إلى أدنى حد.