للإشاعة أبواق ضخمة، عقول من طين تترعرع فيها، وألسنة من لهب تلهج بها.
الإشاعة تزرع سمومها في أرض يباب، تتكاثر بيوضها في خيال متعطش للسلبية، تتناسل في مخيلة فقير غاضب، غني حاسد، موظف يعجز عن تسديد فواتير الكهرباء وفروق أسعار النفط، سيدة لا تكفي معونتها الوطنية لشراء حليب أطفالها، وطالب جامعي طار مقعده التنافسي إلى غيره من أصحاب البركة والحظوة..كل هؤلاء ومن يشبههم فقدوا الثقة بأغنيات الأمل والخطابات الشعرية.
الاشاعة عرض تمثيلي متواصل، لا يكل ولا يمل، يخلق من الوهم حقيقة، يصعد الممثلون إلى خشبة المسرح، يلعبون أدوارهم باتقان، نصفق لهم بحرارة، ظنا منا أنهم مثلوا تراجيديا حالنا السوداء، لم ندرك أنهم زوّروا المشاهد ومثلوا كوميديا، فضحكنا على خيبتنا، وربما في المرة القادمة نبكي بحرقة أيضا على خيبتنا.
الاشاعة إعادة فك وتركيب للصورة، ندخل في الإطار، فنغير أماكننا، نصبغ شعرنا، نضع كثيرا من المكياج لنبدو اجمل وأصغر سنا، ونخبئ آلام الركب خلف ابتسامة بأسنان هوليودية، وقد نقفز احتفالا بالمناسبة، والبحر من خلفنا قد يصيبه التصحر، فنسبح في خيال من سراب.
لم تعد الاشاعة أوهن من بيت العنكبوت، ولا غزلا يمكن نكثه بسهولة، فثمة مخططون في الصفوف الخلفية، ورسامون يستخدمون كل الألوان لانجاز لوحة مزورة، وبالطبع، ليس تقديسا لمبدأ الفن للفن، هؤلاء لا يعنيهم نوع العملة لاتمام رسم بلادهم بالمقلوب.
الأشجار منكسرة، لم تعد تحدق إلـى المسافرين في الشوارع، قتلها الحزن على من غابوا، ولم يعودوا، لم تعد ترغب في أن تكون محطة انتظار أو مكانا لموعد لقاء، او استراحة لموظفين نشيطين في تبادل الكسل.
الإشاعة تركض في صحراء عقولنا، تهبط إلى الصدر بكل ما تحمل من مايكروبات الدجل، فثمة أرض خالية من زرع أخضر، تركت نهبا للصوص، بلا سياج يحميها من قطّاع الطرق، وصائدي الجوائز، بقيت الأرض وحيدة، تفرك عينيها، وحينما استيقظت وجدت نفسها فريسة السبي وأبناءها عبيداً.. والسؤال أين كان أرباب العمل غائبين عن زرعهم؟