هدأ غضب سيول زرقاء ماعين، بعدما أدمت قلوبنا، وخلّفت 21 شهيدا غالبيتهم من الأطفال، لكن هناك أبطالا من بلدي أدهشوا سجل البطولة بصراعهم مع الموت، فبلغوا أعلى درجات الفداء، وانتصروا على غدر الأمطار واندفاعها الأعمى، ومن بين هؤلاء الشهيد هاشم عيد الزيادات العبادي .
نعم، انتصر العبادي على غضب السيول، وقيضه الله ليستل خمسة أطفال من فم الموج الهائج، استلهم إلى بر الأمان، ليعيشوا هم، ويغادرنا هو فرحا إلى جنات الخلد بإذن الله، لم يتردد في الهجوم على عدو شرس، فسبقه نبله وشجاعته ليتحدى طيش الموج وغدره.
أنحني امام شجاعتك أيها الشهيد، فها هم شهداؤنا في معارك: الكرامة، اللطرون، فك الحصار عن القوات المصرية في جنوب الخليل، معركة النوتردام، وتل الذخيرة.... يحتفون بقدومك مجللا ومعطرا بثوب الشهادة –بإذن الله.
تركت خلفك، أرملة وأربعة أطفال، سيبقون مرفوعي الرأس إلى يوم القيامة، سيكون لهم تاريخ مجد خاص يقصونه على زملائهم في المدرسة، وحينما يكبرون، سيكونون وحدهم يملكون سجلا من الفخر، ولن يخجلوا أمام زملائهم لعدم ملكيتهم شركة خاصة أو ثروة طائلة، وستقول ابنتك لكل رفيقاتها أنا ابنة الشهيد، لتنحني كل الرقاب أمامها مهما عظمت.
ستقول لهم: إن أبي لم يفر من هجمة السيول، قاومها بإيمانه وبجبهته السمراء، ولم يول ظهره، فالذي يفر في تلك اللحظات يفر في معارك السلاح، لكن أبي قاوم حتى آخر لحظة، وما ان صعدت روحه لبارئها حتى انحنت الشمس إجلالا، ونسجت له ثوبا أبيض من أغنيات وأهازيج الأبطال، لينام قريرا غير عابئ بلجان التحقيق والمحاكمات.
آه، أيها الشهيد، لو كنت صاحب قرار، لأنشأت صندوقا للشهداء المدنيين الذين يضحون بارواحهم لأجل أبناء الوطن وصندوقا آخر للمدنيين الذين يصابون وهم يضحون من أجل الآخرين، كي لا نترك أبناءهم نهبا للضياع، فمن قضى أبوه شهيدا يجب أن يعيش حياة كريمة.... فرحمة الله عليك يا هاشم .