مادبا - عناد أبو وندي - تزخر محافظة مادبا بعبق التاريخ من خلال مجموعة البيوت التراثية التي تجسد العمارة التقليدية للمجتمع الأردني، وتحكي لكل الأجيال قصصاً وحكايات من ذلك الزمن الجميل، فعلى الرغم مما تعرضت له من تغيرات، إلا أنها بحاجة للمحافظة على معالمها الرئيسية مما يساعد على ترميمها وإعادتها للواجهة والحياة بسحرها المتميز الآخاذ لتبقى خزائن دائمة للتراث وشاهداً مستمراً للأصالة والعراقة.
بعض المنازل التراثية القديمة التي توجد وسط مدينة مادبا وماعين وذيبان وجوارها، والتي مرت سنوات طويلة على بنائها اختارت أن تبقى صامدة أمام عوامل الزمن فرسالتها لا تقف عند حدود الحجر والبناء وإنما تتعدى ذلك.
فالمتجول في هذه المنازل ذات الطابع القديم الأصيل ينتقل إلى زمن غير زماننا وتقدم لنا صورة موجزة عما كانت عليه الحياة،كونها بيوت ذات أنماط العمارة التقليدية التي تتميز ببساطة البناء وملاءمته للبيئة والمناخ، حيث شيدت بمواد بناء متوافرة محلياً مثل الطين والقش والقصيب وذلك لحمايتهم من برد الشتاء والحيوانات المفترسة.
وتقول ام احمد / 80 عاما/: إن البيت القديم كان يتكون من ، الحوش› (أي المدخل الخارجي) ، وكان من مكونات بعض تلك البيوت الخارجية ما يشبه مصطبة مرتفعة كانت بمثابة مكان للسهر صيفا ، ومن الحوش ندخل من بوابة بعرض زهاء مترين إلى داخل الدار المبنية من الحجارة ، مكونات البوابة ‹الدواسة› (درجه حجرية) يقابلها في أعلى البوابة ‹العتبة› بعرض البوابة ، وفي أعلى العتبة توجد فتحتان صغيرتان للتهوية وللسماح بدخول أشعة الشمس وتمرير الهواء إلى داخل الدار ، كانت الدور أنواع بحسب مكانة صاحبها المالية والاجتماعية، فهناك دار من ثلاثة قناطر وأخرى من قنطرتين، واصغر الدور من قنطرة واحدة ، والقنطرة عقد هلالي معمول من الطين والحجارة بعناية فائقة لضمان تماسكها وعدم تأثرها بأية مؤثرات قد تحدث قد تؤدي إلى سقوطها.
اما فيما يخص مكونات البيت من الداخل فتقول فهي ‹القطع› و›المصطبة› و›الراوية› و› الكواره› ومجسم مرتفع معمول من الطين يسمى ‹الروشن› الذي كان يوضع فوقه فراش النوم من فرشات ولحف وبطانيات والبسط ، وللتعريف بوظيفة كل مكون من مكونات الدار الداخلية تقول ام احمد/ أن القطع كان بمثابة مستودع اما شتاء فيستخدم لمبيت المواشي والحيوانات خاصة في الدور ‹أمات› ثلاث قناطر او أكثر حيث عدد القناطر يتحكم بعدد القطوع ، اما المصاطب وفي أكثر الدور توجد مصطبتان تستخدمان كغرف نوم ، فإحدى المصاطب تخصص للزوج والزوجة والمصطبة الأخرى لنوم الفتيات ، أما الشباب الذكور فكانوا ينامون في بهو الدار أما الراوية فلا توجد الا في الدور المتسعة وهي عبارة عن قطع لكن واجهته الأمامية مغلقة تماما مع وجود فتحة تؤدي إلى داخل الراوية لاستخراج التبن الذي يخزن فيها بعد عملية الحصاد حيث يتم إفراغ التبن فيها من فتحة تعلو الراوية تماما على سطح الدار ، أما الكواره فكانت أشبه بخزانة وهي مصنوعة من الطين مع وجود فتحة في أعلاها لإفراغ الطحين فيها ، أما استخراج الطحين لعجنه وصنع الخبز على الصاج او في الطابون فكان يتم من فوهة صغيرة في أسفل واجهة الكوارة الأمامية، إضافة إلى حفرة النار: وتتوسط أرضية الغرفة وتستخدم كموقد للنار لغايات الدفا ووضع القهوة.

مبنى دار السرايا
وبين حنا القنصل ان مبنى السرايا بناه العثمانيون عام 1896 وكان خاصا بالحاكم الإداري في تلك المرحلة، وتم تشييد طابق ثانٍ في المبنى عام 1922 ، وقامت وزارة السياحة باستملاكه من مديرية الامن العام لموقعه الاستراتيجي ليكون منتجا سياحيا جديدا ضمن مسار مادبا التراثي يضاف الى المعالم السياحية التي تزخر بها المحافظة.
ويضيف قامت الوزارة بإعادة ترميمه وتأهيله عام 2008 بمبلغ يقارب مليون دينار مع قيمة الاستملاك حيث يحتوي المبنى على 11 غرفة بمساحة إجمالية 450 مترا مربعا بالإضافة لسطح المبنى الذي تبلغ مساحته 230 مترا مربعا ، وانه تم عمل توسعة حول المبنى بمساحة إجمالية 160 متر مربع.

جهات شعبية
وقال رئيس بلدية مادبا الكبرى المحامي مصطفى المعايعة الازايدة ان مدينة مادبا تحتوي على (25 بيتا) تراثيا، فيما تحتوي على عشرات البيوت التي لم تسجل أو تدخل في المسح، منها محلات تجارية، منتشرة في شارعي الملك طلال والهاشمي، وهي تحتاج إلى صيانة وترميم بحسب مسح أجرأة مركز الأبحاث الأمريكي للتراث عام 2009.
وأضاف الازايدة أن بلدية مادبا الكبرى كانت من أولى البلديات في المملكة التي استحدثت قسم للتراث وعيا منها لأهمية التراث وحفاظا على هوية أجدادنا وهوية المكان الذي نعيش فيه، وبين أن مدينة مادبا من المدن التراثية العريقة، لافتا إلى أن التراث هو تجسيد علمي والمحافظة علية وعلى هوية المكان تعتبر التجسيد العملي للحفاظ عل تراثنا.وأشار أن القسم يسعى إلى المحافظة على الإرث الثقافي الموجود حاليا والعمل على عدم الاعتداء علية أو هدمة ألا بعد مراجعة اللجنة المحلية بالبلدية.
يشار الى ان وزارة السياحة أحصت (12 بيتا) تراثيا في منطقة مكاور والجبل، تم ترميم (5 بيوت) منها لغايات سياحية، تم إشغال احدها كمطعم سياحي، إلا أنه لم يفّعل حتى الآن.
من جانبه ، يؤكد إبراهيم البريزات على ضرورة تضافر كافة الجهود الشعبية والرسمية من اجل حماية تراث المحافظة ومعالمها الخالدة التي تروي تاريخها العريق في حملة وطنية تهدف الى ترميم تلك البيوت بطرق هندسية مدروسة تبقى على الصبغة التراثية لتلك البيوت ولا تطمس ملامحها العمرانية العريقة،لافتا انه يشعر بالحزن عندما يشاهد بعض البيوت التراثية تتعرض للهدم أو تتحول إلى خرابات او الى مكبات للنفايات.
ويعّبر مواطنون في محافظة مادبا، عن أسفهم من إهمال البيوت التراثية القديمة في المدينة، وتحولها بفعل ذلك إلى مكب للنفايات، وتجمع للمنحرفين.

بيت الروائي هلسا
يمثل بيت الروائي غالب هلسا واقع البيوت القروية القديمة التي بنيت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث البناء مثال للبيوت القروية الجبلية المبنية من الحجارة والطين المتوفر في المنطقة المحيطة.
ويعتبر من أهم البيوت التراثية في محافظة مادبا المشيد على الطراز المعماري حيث تم إعادة ترميم المبنى وغرفه التي تحيط بفناء داخلي مرصوف بالحجر البركاني.
من جهتها شرعت رابطة الكتاب الأردنيين في ترميم منزل الروائي الراحل غالب هلسا، حيث قدمت أسرته وعائلته ممثلة بشقيقه يعقوب هلسا وبقية الأشقاء، بيت العائلة القروي القديم وملحقاته وتوابعه في ماعين، كوقف ثقافي لرابطة الكتّاب الأردنيين، من أجل تهيئته كفرع للرابطة في مادبا، واعتماده كذلك كمركز ثقافي على موقع وزارة السياحة الأردنية.
مدير سياحة مادبا وائل الجعنيني قال إن المديرية تطل على موضوع من زاوية فنية بحته»، مبينا انه تم تحويل بعض البيوت التراثية الى مطاعم. وأوضح أنه تم استئجار بيت البجالي عملة مركز زوار مادبا لاستقطاب كافة المجموعات السياحية القادمة للمحافظة وليكون نقطة انطلاق الزوار الى المواقع السياحية والاثرية الموجودة داخل وسط المدينة.وأوضح ان الوزارة استكملت «دار السرايا» من الأمن العام بـ (300 الف دينار)، فيما كلف ترميمه (713 الف دينار) وهو المبنى الإداري المحلي لمدينة مادبا في الفترة العثمانية. وتأسس عام 1896م حسبما يشير النقش الموجود فوق المدخل الرئيسي للمبنى على الاكروبول (التل المرتفع) في وسط المدينة. الجعنيني قال في ختام حديثه الى «الرأي» انه تم استملاك مركز الزوار حيث تم ترميمه وأصبح مركزا لاستقبال السياح الذين ينطلقون إلى الأماكن السياحية الأثرية في مادبا.