أكد الخبير في الأمن الغذائي والسياسات الزراعية الدكتور فاضل الزعبي أن حرائق القمح التي تتكرر مع كل صيف تطرح قضية تتجاوز الخسارة الموسمية لتطال مستقبل الزراعة في الأردن.
وقال لـالرأي إن المشهد الذي بات يتكرر، حيث تتحول الحقول الذهبية إلى سواد كثيف وتتحول السنابل الواعدة بحصاد وفير إلى رماد تذروه الرياح، اشتد هذا العام مع حلول الموجات الحارة مبكراً واشتداد الجفاف، ما أدى إلى اشتعال النيران في أكثر من موقع زراعي في المملكة، وضياع ما أنفقه المزارعون من جهد ووقت ومال على مدار عام كامل.
وأشار الزعبي إلى ضرورة التمييز بدقة بين مقياسين مختلفين وإن تشابكا في أذهان كثيرين، هما المقياس الوطني المتعلق بالأمن الغذائي، والمقياس الفردي المتعلق ببقاء المزارع واستمراريته. وأوضح أنه على الصعيد الوطني، وفي ضوء الأرقام التي لا تحتمل الجدل، تبقى صورة الخطر محدودة بمقاييس العرض والطلب، فالمملكة تنتج ما بين عشرين وستين ألف طن من القمح سنوياً، مقابل استهلاك يتجاوز المليون طن، أي أن الاعتماد على الاستيراد يمثل النسبة الأكبر من احتياجات البلاد. ومع مخزون استراتيجي يكفي لعشرة أشهر وفق المصادر الرسمية، ووجود مصادر استيراد متعددة، يظل أمن الخبز بمنأى عن أي نقص فوري تسببه حرائق هذا الموسم.
غير أن الزعبي لفت إلى أن التحول إلى مقياس المزارع يكشف فجوة عميقة، فالمزارع الذي يجد حقله قد احترق لا يخسر جزءاً من محصوله، بل يخسر كل شيء: مدخراته التي أنفقها طوال العام، وقدرته على الوفاء بالتزاماته المالية، وجزءاً كبيراً من إيمانه بالمستقبل.
وذكر الزعبي أنه بعيداً عن الاستنتاجات المتسرعة، تتعدد الأسباب المحتملة وراء حرائق القمح، ويمكن تصنيفها ضمن ثلاث فئات رئيسية تختلف كل منها في طبيعتها وفي سبل التعامل معها. الفئة الأولى تتعلق بالعامل المناخي، إذ إن ارتفاع درجات الحرارة بشكل مبكر وغير مسبوق، مع جفاف الغطاء النباتي المحيط بالحقول، جعل من السنابل اليابسة والمخلفات الزراعية وقوداً جاهزاً للاشتعال بأقل شرارة.
أما الفئة الثانية فهي العامل البشري غير المقصود، وهو الأكثر اتساعاً وتنوعاً، ويشمل الشرر المتطاير من آلات الحصاد عند احتكاكها بالحجارة، أو الحرق العشوائي للمخلفات الزراعية، أو الإهمال أثناء التدخين أو التنزه قرب الحقول، إضافة إلى الأعطال الكهربائية وخطوط النقل المارة فوق الأراضي الزراعية.
وبيّن الزعبي أن الفئة الثالثة تتمثل بالعامل المتعمد، ورغم أن هذا الاحتمال قائم ويستدعي التحقيق الجاد في كل حريق، فإن التسرع في نسب كل حريق إلى فعل إجرامي مقصود قد يصرف النظر عن معالجة الأسباب البنيوية الأكثر شيوعاً، كما يصعّب من تطوير استجابات وقائية حقيقية قائمة على فهم دقيق للأسباب الفعلية.
وأشار إلى أن المراقبة الذكية والإنذار المبكر يمثلان الركيزة الأولى لأي منظومة وقائية ناجحة، فباستخدام البيانات المناخية والاستشعار عن بُعد يمكن رسم خرائط للخطورة تحدد المناطق الأكثر عرضة للاشتعال قبل فوات الأوان، كما أن الطائرات المسيرة المزودة بكاميرات حرارية تتيح رصد البؤر الساخنة في بدايتها، ما يعطي فرصة ثمينة للتدخل قبل توسع النيران. وأوضح أن الأردن بدأ يتحرك في هذا الاتجاه، لكن تبقى الحاجة ملحة لتوسيع هذه الأدوات لتشمل الحقول الزراعية بجميع أنواعها لا الغابات فقط، وربطها بغرف عمليات قادرة على التحرك خلال دقائق.
وقال الزعبي إن إنشاء خطوط عازلة وممرات محروثة حول الحقول في المناطق عالية الخطورة يظل واحداً من أكثر الإجراءات فعالية في كسر استمرارية النيران ومنع انتقالها بين الحيازات، مضيفاً أن توفير نقاط مياه ومعدات إطفاء أولية قريبة من الحقول يقلص زمن الاستجابة، ويحد من وصول الحرائق إلى حيز لا يمكن السيطرة عليه قبل وصول فرق الدفاع المدني. وأكد أن المزارعين والسكان المجاورين للحقول هم الحلقة الأقرب والأسرع والأكثر قدرة على التدخل، لذا فإن تشكيل فرق إطفاء من أبناء المجتمعات المحلية، وتدريبهم على أساليب الإطفاء الأولي، وتعزيز ثقافة التبليغ المبكر، يمثل خط دفاع أولياً ينبغي استثماره، إلى جانب أن التوعية المجتمعية حول مخاطر إشعال النار قرب الحقول وأهمية إدارة المخلفات ينبغي أن تكون جزءاً من رسائل الإرشاد الزراعي الذي يصل إلى كل مزرعة.
وبيّن الزعبي أن البعد الأكثر إهمالاً في معادلة حماية الحقول يظل شبكة الأمان الاقتصادي للمزارع، فكل الإجراءات الوقائية وإن كانت ضرورية تبقى غير مكتملة إذا لم يصاحبها نظام تأمين زراعي فعال يعوض المزارع عن خسارته بشكل سريع وعادل، ويحفزه على الاستمرار بدلاً من الهجر.
وختم الزعبي بالقول إن تذكيرنا بأن حرائق هذا العام لا تهدد المخزون الاستراتيجي من القمح لا ينبغي أن يوحي بالاطمئنان، بل يجب أن يُقرأ كمؤشر إلى أن طبيعة التهديد مختلفة، فالخطر ليس في خبز اليوم بل في زراعة الغد.