رغم خصوصية محافظة الطفيلة الجغرافية وما تتميز به من غطاء حرجي وزراعي وعشبي كثيف، إلا أن المحافظة نجحت خلال السنوات الأخيرة في تجنب الحرائق الكبرى التي تلتهم الغابات وتمتد لأيام، مكتفية بحوادث عشبية محدودة يجري احتواؤها سريعا، فيما تبقى تحديات الصيف وجفاف الأعشاب مصدر قلق يستدعي اليقظة الدائمة.
وفي بساتين الزيتون المعمرة، يؤكد المزارع محمود المزايدة أن غياب الحرائق الكبرى لا يعني انتفاء الخطر عن أصحاب المزارع، مستذكرا كيف التهمت النيران أجزاء من بستانه خلال دقائق بسبب حريق عشبي مجهول المصدر.
ويشير إلى أن تداخل الملكيات الزراعية وتشابك الأشجار في مناطق لواء بصيرا وبعض مناطق الطفيلة يجعل أي شرارة تهديدا مباشرا لأرزاق المزارعين، مطالبا بفتح مسارات تتيح وصول آليات الإطفاء إلى البساتين القديمة عند الطوارئ.
ويحذر عضو جمعية بصيرا البيئية نضال السعودي من خطورة الحرائق العشبية المتفرقة، موضحا أنها تمثل استنزافا تدريجيا للمنظومة البيئية الفريدة في المحافظة، خاصة مع جفاف الغطاء النباتي الكثيف الناتج عن المواسم المطرية الأخيرة.
ويؤكد أن احتراق الأعشاب اليابسة يهدد التنوع الحيوي ويؤثر على خصوبة التربة والكائنات الدقيقة التي تحفظ التوازن البيئي، خصوصا في محيط محمية ضانا وغابات بصيرا، مشيرا إلى أن السلوكيات البشرية الخاطئة أثناء التنزه أو تنظيف المزارع تبقى السبب الأبرز لهذه الحرائق.
وتسجل الطفيلة خلال الصيف حرائق عشبية محدودة ومتفرقة في مناطق أرويم، وعرفة، والعين البيضاء، ومحيط القصبة وضانا، حيث تتم السيطرة عليها بسرعة من قبل كوادر الدفاع المدني قبل أن تتحول إلى تهديد حقيقي.
ورغم نجاح المحافظة في تجنب السيناريوهات الكارثية، تبقى مناطق مجاري السيول في وادي البربيطة والمساحات العشبية المحاذية للغابات في ضانا من أبرز البؤر التي تتطلب مراقبة مستمرة.
ويؤكد محافظ الطفيلة الدكتور سلطان الماضي أن خلو المحافظة من الحرائق الممتدة خلال السنوات الأخيرة يعود إلى فاعلية خطط الطوارئ والتنسيق المستمر بين الحكام الإداريين والدفاع المدني والأجهزة الأمنية.
ويشير إلى أن لجان السلامة العامة تكثف جولاتها الميدانية مع بداية جفاف الأعشاب لرصد المناطق الخطرة، مؤكدا أن وعي المواطن يبقى العامل الحاسم في الحفاظ على هذا الاستقرار.
بدوره، يوضح مدير زراعة الطفيلة المهندس بلال الهلول أن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المحافظة خلفت غطاء عشبيا كثيفا يتحول مع ارتفاع درجات الحرارة إلى وقود سريع الاشتعال.
ويبين أن المديرية تواصل فتح خطوط النار وتنظيف جوانب الطرق، داعيا المزارعين إلى حرث وتنظيف أراضيهم مبكرا لمنع انتقال النيران بين الملكيات المتجاورة.
ولا يقف القانون الأردني موقف المتفرج أمام هذه الاعتداءات؛ إذ تحظر المادة (38) من قانون الزراعة حرق النباتات البرية والمراعي، وتفرض غرامات تصل إلى ثلاثة أضعاف القيمة المادية للنباتات المتضررة، مع مضاعفة العقوبة في حال التكرار.
كما تنص المادة (369) من قانون العقوبات على الأشغال المؤقتة بحق كل من يتسبب عمدا بإشعال الحرائق في الغابات أو البساتين أو المزروعات، بما يشكل مظلة قانونية رادعة لحماية الثروة الحرجية والزراعية.
ويؤكد الواقع الميداني أن محافظة الطفيلة نجحت في الحفاظ على سجلها الخالي من الحرائق الكبرى بفضل الجهود الرسمية والتنسيق المشترك، إلا أن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب الانتقال من مرحلة الاستجابة السريعة إلى ثقافة الوقاية الشاملة، التي تبدأ من وعي المواطن وسلوك المتنزه، مرورا بحرص المزارعين على تنظيف أراضيهم، وصولاً إلى التطبيق الصارم للقوانين حفاظاً على الثروة الطبيعية والزراعية التي تتميز بها المحافظة.