محمد المشوخي -  لقد تكون حلف المدن العشر «الديكابولس» اول ما تكون، ايام اليونان في بلادنا، وذلك في القرن الثاني قبل الميلاد، والمدن العشر هي ترجمة لليونانية ديكابولس و«ديكا» تعني عشرة و«بولس» تعني مدينة وبذلك يأتي اسم الحلف، وكونت هذه المدن تحالفا تجاريا وسياسيا وعسكريا فيما بينها، ويدل هذا الحلف بحد ذاته على حالة البذخ والرفاهية والاستقرار التي كانت تنعم به هذه المدن بشكل خاص والمنطقة بشكل عام في تلك الفترة.
وجاءت فكرة تكوين هذا الحلف بداية من قبل اليونان، وذلك بعد موت الاسكندر الكبير، حيث اراد خلفاؤه بناء مدن تحمل اسماء مدنهم المكدونية التي يشتاقون اليها، ولتصبح مراكز للحضارة اليونانية في بلادنا.
ولقد تضاربت الآراء حول هذه المدن وتبعية كل منها للحلف، وذكرت قوائم عديدة يضم كل منها عشر مدن، ولكن قائمة «بليني» من القرن الاول قبل الميلاد ضمت المدن الاردنية فيلادلفيا «عمان» وجراسا «جرش» وجدارا «ام قيس» وبيلا «طبقة فحل» وكذلك ديون «ايدون؟» وهيبوس «الحصن الاردنية او السورية»، بالاضافة الى سكايثوبوس «بيسان الفلسطينية» والمدن السورية دمشق والرافة وقنوات.
اما القوائم الاخرى فضمت المدن الاردنية بيت راس واربيلا وقويلبة ودخلت مدينة درعا السورية بعض تلك القوائم.
ومن المرجح بانه كانت تسقط عضوية بعض المدن من الحلف وتحل اخرى مكانها تبعا لانظمة وقوانين الحلف، ولذلك نجد العديد من القوائم، وتقول بعض الآراء بان بعض المدن كانت تتمتع بعضوية شرف فقط، ولذلك نرى ان المدن كانت تزيد عن عشر في بعض الاحيان. ولكنه من المؤكد بان مدن عمان وجرش وام قيس وطبقة فحل وبيسان تمتعت بعضوية دائمة في الحلف حيث ذكرتها معظم القوائم وفي الفترات المتعاقبة.
ومن الخصائص العامة لمدن الحلف، انها كانت تتمتع بموقع استراتيجي منذ الازل، حيث بنيت معظمها على آثار قديمة لحضارات سابقة استوطنت المنطقة وان هذه المدن كانت تتمتع باستقلال ذاتي وكانت تصك عملتها الخاصة بها، وكان لكل منها طرازها المعماري وتحصيناتها الخاصة بها.
وعندما جاء الرومان بعد اليونان ودخلوا المنطقة من الشمال بقيادة «بومبي» سنة 63 ق.م، قام بومبي بارساء دعائم هذا الحلف، وتنظيم دوره، وذلك ليلعب دورا كبيرا في استقرار المنطقة وضمان تبعيتها للامبراطورية الرومانية المترامية الاطراف، حيث اصبحت مدن الحلف بمثابة قلاع حصينة في وجه شعوب المنطقة المناوئين للرومان مثل الانباط الذين كونوا الى الجنوب مملكة نبطية قوية تسيدت المنطقة انطلاقا من عاصمتها البتراء.
وكان هذا الحلف ايضا بمثابة قاعدة لتثبيت النفوذ الروماني في المنطقة، ولتأكيد ولائه وتبعيته التامة الى روما من خلال تبعيته للولاية العربية الرومانية القائمة آنذاك، وكان لكل مدينة من مدن ذلك الحلف مجلس شيوخ خاص بها، وكان يتم منح حق اللجوء السياسي فيما بينها، وترتبط كل مدينة بالباقية باتحاد فيدرالي، ومن واجبات هذه المدن دفع الضرائب المباشرة الى روما، وحماية طرق التجارة وتزويد الجيش الروماني المار او المرابط بما يحتاجه من غذاء وعتاد وراحة وكذلك الاشراف على المدن والقرى المحيطة بها.
وتشابهت هذه المدن فيما بينها بأن لها مخططا هندسيا شبه موحد من الاسوار والابراج والبوابات، ولها معالم متشابهة تشتمل على المعابد والمسارح والشوارع وغيرها، ولقد قُسمت المدن الى مناطق، فهناك المنطقة الدينية والمنطقة التجارية والمناطق الخاصة بالسكن وكانت هناك ايضا انظمة الري والصرف الصحي.
اما بالنسبة للاحتفالات واماكن اقامتها فكانت تقام في المسارح والمدرجات وبرك المياه وميادين سباق الخيل، حيث الاحتفالات الدينية والوطنية والالعاب والرياضات المختلفة، ويدل كل هذا على العصور الذهبية التي كانت تتمتع به هذه المنطقة إبان تلك الفترة، من الجدير ذكره هنا بأن هذه الاحتفالات كانت تتم في المدينة في اوقات تختلف عن المدن الاخرى وذلك لاستمرار التزاور والمناسبات والتوافد فيما بين هذه المدن بغرض المشاركة باحتفالات الاخرين.
ولا يستطيع اي منا انكار اهمية اماكن اقامة مدن الحلف هذه من نواحٍ عديدة قبل وصول اليونان او الرومان اليها حيث سبقتهم جميعهم اليها حضارات عربية كثيرة، ولقد ساهم اهل المدن الاصليون مساهمة فاعلة في بناء وتشييد هذه المدن وتركوا تأثيراتهم ولمساتهم في معالمها سواء كانوا معماريين او فنيين او عمالا مهرة.