بين رفوف المحال وشاشات الهواتف، تتغير طريقة التسوق، لكن حاجة المستهلك إلى السلعة تبقى واحدة. فبينما يتوجه مستهلك إلى متجره المعتاد، يتفحص المنتجات بنفسه ويسأل البائع عن الأسعار والمواصفات، يختار آخر بضع نقرات عبر هاتفه للوصول إلى المنتج نفسه من متجر إلكتروني قد يكون داخل الأردن أو خارجه.
هذا الاختلاف في طريقة الشراء يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول الرسوم والضرائب والحقوق وآليات الرقابة، في وقت تتسع فيه مساحة التجارة الإلكترونية وتتغير معها أنماط الشراء والمنافسة في السوق.
ومع توسع التجارة الإلكترونية في الأردن، لم يعد التسوق الرقمي خيارًا ثانويًا أمام المستهلك، بل أصبح جزءًا متناميًا من النشاط التجاري، ما يثير تساؤلات حول مدى خضوع المستهلك الذي يشتري عبر الإنترنت للمعاملة نفسها التي يخضع لها من يشتري من المتجر التقليدي.
ففي الوقت الذي يعرف فيه المستهلك التقليدي غالبًا مكان المتجر والبائع وآلية الدفع والاستبدال، تتم بعض عمليات الشراء الرقمية عبر منصات خارجية، وقد تصل السلعة إلى المستهلك من خلال شركات الشحن والطرود البريدية، ما يجعل العملية مرتبطة أيضًا بإجراءات جمركية وضريبية وتنظيمية مختلفة.
تقول دعاء أبو طوق، التي تتعامل مع السوق الرقمي: «أنا أفضل التسوق عبر الإنترنت أحيانًا لأنه أسهل وأوفر للوقت، لكن تجربتي لم تكن دائمًا جيدة. اشتريت أكثر من مرة منتجات عبر صفحات إلكترونية، وكانت الجودة أقل من المتوقع أو مختلفة عن الصور والمواصفات المعروضة. لذلك أصبحت أتردد قبل الشراء، وأفضل التعامل مع الصفحات التي أعرفها أو التي لديها تقييمات وتجارب واضحة من المستهلكين».
وفي المقابل، تقول أسماء صالح، التي تفضل التسوق من الأسواق التقليدية، إنها تجد في الشراء من المحال التجارية «ثقة أكبر»، خصوصًا أنها تستطيع معاينة المنتج والتأكد من جودته قبل دفع ثمنه.
وتضيف أن التعامل المباشر مع البائع يتيح لها الاستفسار عن المنتج واستبداله عند الحاجة، لكنها تشير، في المقابل، إلى أن التسوق التقليدي يحتاج وقتًا وجهدًا أكبر مقارنة بالتسوق الإلكتروني.
وفي ظل هذا التحول، يؤكد ممثل قطاع الخدمات والاستشارات في غرفة تجارة عمّان جمال الرفاعي ضرورة تنظيم السوق الرقمي، خصوصًا مع التوسع الكبير في التجارة الإلكترونية واعتماد عدد متزايد من التجار والمستهلكين على البيع والشراء عبر المنصات الرقمية، مشددًا على أن المطلوب هو تنظيم واضح ومرن لا يضع قيودًا تعيق نمو التجارة الإلكترونية.
ويشير الرفاعي إلى أن الهدف من التنظيم هو حماية كل من المستهلك والتاجر الملتزم، وتحقيق المنافسة العادلة بين التجارة التقليدية والإلكترونية، إضافة إلى الحد من المتاجر الوهمية والغش والاحتيال والممارسات غير القانونية.
ويوضح أن إمكانية نجاح السوق الرقمي في الأردن كبيرة جدًا، خصوصًا مع انتشار الإنترنت والهواتف الذكية وتطور وسائل الدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية.
ويلفت إلى أن نجاح التجربة يحتاج إلى أكثر من مجرد وجود منصات إلكترونية؛ فهو يحتاج إلى بناء الثقة بين التاجر والمستهلك، وتوفير وسائل دفع آمنة، وتنظيم خدمات التوصيل، وحماية البيانات، وتسهيل عمليات الاستبدال والإرجاع وحل النزاعات.
ويؤكد ضرورة أن يشمل التحول الرقمي جميع التجار، وخاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، من خلال التدريب والتوعية وتوفير الدعم اللازم، حتى لا يكون التحول الرقمي مقتصرًا على الشركات الكبيرة.
وينبه الرفاعي إلى أن الحماية من كافة المشكلات التي قد تواجه الأطراف في السوق يجب أن تشمل المستهلك والتاجر وجميع الأطراف المشاركة في العملية التجارية، وليس المستهلك فقط.
ويذكر الرفاعي أن أهم الإجراءات المطلوبة تتمثل في توثيق المتاجر الإلكترونية وإظهار بياناتها بشكل واضح، وتنظيم الإعلانات الإلكترونية، وتوضيح مواصفات وأسعار المنتجات وشروط البيع والاستبدال، وتوفير الفواتير ووسائل الدفع الآمنة، إضافة إلى حماية البيانات الشخصية للمستهلكين.
ويطالب بإيجاد آلية واضحة وسريعة للشكاوى وحل النزاعات، وتحديد مسؤولية كل طرف، سواء التاجر أو منصة البيع أو شركة الدفع أو شركة التوصيل.
وفي المقابل، يؤكد ضرورة حماية التاجر أيضًا من الطلبات الوهمية والاحتيال، لأن نجاح السوق الرقمي يتطلب بناء الثقة وحماية جميع أطراف العملية التجارية.
ويرى الرفاعي أن المطلوب هو دمج السوق التقليدي والرقمي معًا بدلًا من استبدال أحدهما بالآخر، إذ يستطيع التاجر التقليدي الحفاظ على متجره وموقعه في السوق، وفي الوقت نفسه فتح قناة بيع إلكترونية للوصول إلى عدد أكبر من العملاء.
ويشمل ذلك إنشاء المتاجر الإلكترونية، وتوفير الدفع الإلكتروني والتوصيل، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتسويق، وربط المخزون والمبيعات بأنظمة إلكترونية، والاستفادة من الفوترة والخدمات الرقمية.
ويؤكد الرفاعي ضرورة وجود دور أكبر للغرف التجارية في تدريب التجار ودعمهم ومساعدتهم على التحول الرقمي، خصوصًا أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حتى لا يشعر التاجر التقليدي بأن التحول الرقمي يشكل تهديدًا له، بل فرصة لتوسيع أعماله والوصول إلى أسواق جديدة.
وعلى أرض الواقع، تظهر المنافسة بين السوقين بصورة أوضح في كلف التشغيل والأسعار. وفي حديث لـ"الرأي»، يقول صاحب متجر لبيع الملابس في السوق التقليدي محمد الجندي عن تأثير السوق الرقمي على تجارته: «بصراحة، السوق الرقمي أثّر بشكل واضح على تجارتنا، هناك جزء من الزبائن يفضّل الشراء عبر الأونلاين لأنه أسهل وأحيانًا الأسعار بتكون أقل، ما خفّض حركة الزبائن داخل المحل، بالإضافة إلى ذلك، التاجر الإلكتروني لا يتحمل عبء التكاليف التشغيلية للمحل من إيجار وكهرباء وعمالة وضرائب وغيرها؛ لذلك يقدر أحيانًا ينافسنا بالسعر بشكل أكبر».
ويضيف: «أنوي فتح صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، وبصراحة أصبحت أراها ضرورة أكثر من كونها خيارًا، فالكثير من الزبائن اليوم يفضلون رؤية البضاعة ومعرفة السعر قبل أن يأتوا للمحل، فوجودنا أونلاين يمكن أن يساعدنا في الحفاظ على زبائننا والوصول لزبائن جدد».
ومن زاوية التاجر الرقمي، يقول بدر العلي عن تأثير القوانين الجمركية الجديدة: «نعم، أثرت على عملي، خصوصًا من ناحية تكلفة استيراد البضاعة وآلية التعامل مع الطرود، لكن التغييرات الأخيرة فيها جانب إيجابي أيضًا، لأنها جعلت الإجراءات أوضح وسهّلت التخليص لبعض الشحنات، وبالنسبة لي كتاجر الأهم أن تكون القواعد واضحة ومستقرة حتى أتمكن من حساب تكلفة البضاعة وأحدد السعر للمستهلك».
ويذكر أن القرار الأخير الذي دخل حيز التنفيذ في 2026 وحّد الرسم على المشتريات الإلكترونية الشخصية القادمة من الخارج إلى 10% للطرود التي لا تتجاوز قيمتها 200 دينار، مع استثناء الكميات التجارية وغيرها من حالات الاستثناء.
ويعتقد العلي أن القوانين الواضحة يمكن أن تشجع الشباب، لأنها تمنحهم بيئة أكثر أمانًا للعمل وتعرّفهم بحقوقهم والتزاماتهم منذ البداية، لكن إذا كانت الإجراءات معقدة أو التكاليف مرتفعة، فقد تكون عائقًا، خصوصًا أمام من يبدأ مشروعه برأس مال بسيط، ويرى أن المطلوب هو تنظيم السوق، ولكن بطريقة تراعي طبيعة المشاريع الرقمية الصغيرة.
وبين سوق تقليدي يحافظ على حضوره، وسوق رقمي يفرض نفسه يومًا بعد يوم، يجد التاجر والمستهلك في الأردن أنفسهما أمام واقع تجاري جديد، تحكمه السرعة والتكنولوجيا من جهة، والرقابة والتنظيم من جهة أخرى.
ولم تعد المنافسة محصورة في السعر أو جودة السلعة وحدهما، بل امتدت إلى سهولة الوصول وسرعة التوصيل ووسائل الدفع والثقة وحقوق الاستبدال والإرجاع، في وقت بات فيه التاجر التقليدي نفسه أمام فرصة للانتقال إلى الفضاء الرقمي دون التخلي عن متجره. ويبقى التحدي في تحقيق معادلة تضمن عدالة المنافسة، وتحمي المستهلك، وتمنح التاجر فرصة للتكيف مع التحول الرقمي دون أن يفقد مكانه في السوق.