في ظل كل ما يموج حولنا من صراعات إقليمية وفكرية، وحتى ثقافية، دفعت إلى السطح — وأحيانًا للأسف عبر منصات إعلامية — كل ما من شأنه إضعاف المجتمعات، من نزاعات عنصرية وعرقية وطائفية، تهدد أمننا المجتمعي والإنساني بأسره.
إن انعقاد المؤتمر الإقليمي الثاني للإعلام المجتمعي في عمّان تحت عنوان “إعلام مستقل مجتمع قوي”، بعد احتفالنا قبل أيام في اليوم العالمي لحرية الصحافة، و في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في قطاع الإعلام و الحاجة الملحة لإعلام حر ومستقل يعزز تماسك المجتمعات في ظل التحديات الإقليمية والدولية.
وهذا يعيد إحياء النقاش حول حرية الإعلام واستقلاليته، بعد تراجع الاهتمام بهذا الملف خلال السنوات الماضية نتيجة الحروب والقيود التي تواجه الصحافة في المنطقة، وبخاصة الإعلام المجتمعي الذي يواجه تحديات مستمرة منذ نشأته، أبرزها ضعف التمويل، والقيود وضعف الأدوات والخبرات..
ولعل مختلف التحديات تتضاعف اليوم مع التسارع الرقمي وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث بات الإعلام المجتمعي أمام فجوة جديدة تتعلق بقدرته على مواكبة الأدوات الحديثة رغم محدودية موارده، في الوقت الذي توفر فيه هذه التقنيات فرصًا لتحسين الجودة وتعزيز المهنية ومواجهة الأخبار المضللة.
وهو ما يؤثر على المجتمعات وأفرادها بمختلف أطيافها، وكان الإعلام وما زال أقوى الأدوات لسماع جميع الأصوات وإعطائها المساحة الكافية، لا لتعبّر فقط، وإنما لتفكّر وتشارك وتبني وتساهم في سلمٍ مجتمعي هو أكثر ما نحتاجه اليوم، ليس في الأردن فقط، وإنما في العالم أجمع.
ومن هنا، جاء ت الحاجة لهذا المؤتمر الإقليمي ليعزز الثقة في مؤسسات البث الإعلامي، ويدعم استقلاليتها ومهنيتها، ويبحث التحديات التي تواجهها في ظل ما يجري في أروقة غرف الأخبار العالمية من تراجع وتخبّط وانحياز، في كثير من الحالات.
وما زاد الأمر سوءًا هو انتشار المنصات الرقمية، التي باتت تخلط الخبر الكاذب بالإشاعة والتضليل داخل المحتوى الإعلامي، فتضيع الحقيقة ويخسر الجميع، وبخاصة الأطراف الأكثر هشاشة، وتنقسم المجتمعات وتتناحر، فتتأخر جهود البناء والتنمية.
سيناقش المؤتمر على مدار يومين، وبمشاركة خبراء من مؤسسات إعلامية محلية ودولية وإقليمية، عددًا من المحاور المهمة، منها: هيكلية الأخبار بين الوسائط الإعلامية المختلفة وحدود الخصوصية والتميّز، مستقبل الصحافة الإذاعية في ظل تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، وما يفرضه ذلك من فرص وتحديات على صناعة المحتوى، ومستقبل صناعة الأخبار والمحتوى في ظل المنافسة الرقمية المتصاعدة.
كما خُصص اليوم الثاني لجلسات مغلقة تناقش: واقع غرف الأخبار بين الاستقلالية الإعلامية وإدارة العلاقات العامة، ودور الإذاعات المجتمعية الأردنية في مواجهة الأخبار المضللة والإشاعات، وأهمية بناء تحالفات إقليمية للإعلام المجتمعي.
وكلنا سعادة أن تتحول بوصلة الإعلام المجتمعي مجددًا إلى الأردن، بحيث سيتم الإعلان عن إطلاق شبكة الإذاعات المجتمعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا "أمارك"، بالتوازي مع إطلاق شبكة محلية للإذاعات المجتمعية، بما يسهم في تعزيز التشبيك المحلي والإقليمي والدولي في هذا المجال، وتبادل الخبرات بين الجميع.
ففي نهاية الأمر، نحن جميعًا في مركب واحد، ومسؤولون عن سلامته وبقائه.