وتهدف هذه التعديلات بصورة أساسية إلى تمكين الإدارة العامة من مواكبة التطورات التقنية المتسارعة، وتعزيز الاعتماد على الخدمات الحكومية الإلكترونية، والحد من المعاملات الورقية التقليدية، بما ينسجم مع توجهات الدولة الأردنية نحو الرقمنة وتحديث المرافق العامة. فقد نص القانون المعدل على اعتماد الهوية الرقمية المثبتة على التطبيقات الإلكترونية المعتمدة من وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، كتطبيق "سند"، لجميع الغايات المنصوص عليها في التشريعات الوطنية، وهو ما يترتب عليه منح النسخة الإلكترونية من البطاقة الشخصية حجية قانونية في التعاملات الرسمية المختلفة.
ومن شأن هذا التطور التشريعي أن يسهم في بناء الإدارة الإلكترونية الحديثة، خاصة أن الهوية الرقمية ستسهل على المواطنين الحصول على الخدمات الحكومية من خلال تقليل الوقت والكلفة، والحد من البيروقراطية التقليدية والازدحام داخل الدوائر الرسمية. كما أن الاعتراف القانوني بالهوية الرقمية ينسجم مع التطور العالمي في مجال الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية في تقديم الخدمات العامة، ويعزز من كفاءة المؤسسات العامة وقدرتها على ممارسة أعمالها بصورة أسرع وأكثر مرونة.
ولم تقتصر التعديلات الجديدة على إقرار الهوية الرقمية، وإنما امتدت أيضا إلى إدخال مفهوم "عنوان البريد الرقمي"، وربطه بالتزامات قانونية على المواطن تتعلق بضرورة التصريح عنه وتحديثه خلال مدة ثلاثين يوما من تاريخ تغييره. فهذه الإضافة التشريعية تعكس توجها حكوميا نحو توسيع الاعتماد على الوسائل الإلكترونية، من خلال إلزام كل فرد بإنشاء بريد رقمي خاص به يتم بواسطته إرسال الإشعارات والتبليغات وتبادل المراسلات الرسمية مستقبلا، الأمر الذي قد يشكل نقلة نوعية في العلاقة القانونية بين الإدارة والأفراد.
ورغم أهمية هذه الإيجابيات التشريعية، فإن ذلك لا يحول دون وجود تحديات فنية وقانونية حقيقية قد تظهر عند التطبيق العملي. فالنجاح الفعلي لأي تحول رقمي لا يتوقف فقط على إصدار النصوص القانونية، وإنما يرتبط بمدى جاهزية المنظومة التقنية، وكفاءة الأنظمة الإلكترونية، وتدريب الموظفين الحكوميين على التعامل معها، إلى جانب تنمية قدرات المواطنين أنفسهم على استعمال الوسائل الرقمية الحديثة.
فهناك فئات من المجتمع الأردني، وخاصة كبار السن أو المقيمين في المناطق الأقل حظا، قد تواجه صعوبات فنية في استخدام التطبيقات الإلكترونية والخدمات الرقمية، الأمر الذي قد يؤدي عمليا إلى ظهور فجوة رقمية بين المواطنين في إمكانية الوصول إلى الخدمات الحكومية. كما أن التوسع في إلزام الأفراد باستخدام الوسائل الإلكترونية، والتقليل التدريجي من تقديم بعض الخدمات بالطرق التقليدية، يفترض وجود بيئة تقنية مستقرة وآمنة ومتاحة للجميع بصورة عادلة ومتساوية.
ولا تقتصر التحديات المحتملة على الجوانب الفنية فقط، وإنما تمتد أيضا إلى أبعاد قانونية تتعلق بحماية البيانات الشخصية وضمان سرية المعلومات من خلال ضرورة تفعيل القوانين الأردنية ذات الصلة. فكلما توسعت الإدارات الحكومية في استخدام الوسائل الرقمية، ازدادت الحاجة إلى توفير ضمانات قانونية وتقنية تحول دون إساءة استعمال البيانات الفردية أو اختراقها أو الوصول غير المشروع إليها، خاصة أن دائرة الأحوال المدنية ومكاتبها تتعامل مع معلومات شخصية حساسة تتعلق بهوية الأفراد وأوضاعهم العائلية والاجتماعية.
وفي سياق آخر، تضمن القانون المعدل تشديد الإجراءات المالية المرتبطة بفقدان البطاقة الشخصية أو دفتر العائلة، وذلك من خلال رفع قيمة التعهدات المالية عند التكرار. ورغم أن هذا التوجه التشريعي قد يهدف إلى الحد من حالات الإهمال في المحافظة على الوثائق الرسمية، إلا أن تطبيقه ينبغي أن يراعي الظروف الواقعية للأفراد، والحالات التي يكون فيها الفقدان خارجا عن الإرادة أو مرتبطا بظروف استثنائية قاهرة. ويحسب للمشرع الأردني أنه قد راعى هذا الجانب عندما منح المدير أو من يفوضه خطيا سلطة تقديرية في فرض هذه التعهدات من عدمها وفقا لكل حالة على حدة.
وفي المحصلة، فإن قانون الأحوال المدنية المعدل يمثل خطوة تشريعية مهمة في مسار التحديث الإداري والتحول الرقمي الذي تتبناه الدولة الأردنية خلال المرحلة الحالية. غير أن نجاح هذه التعديلات سيبقى مرهونا بقدرة باقي المؤسسات الوطنية على توفير الضمانات القانونية والتقنية الكفيلة بحماية حقوق المواطنين وخصوصيتهم، إلى جانب نشر الثقافة الرقمية وتعزيز ثقة الأفراد بالتعاملات الإلكترونية. فالتحديث التشريعي الحقيقي لا يقاس فقط بحداثة النصوص التي يتم إقرارها، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن المطلوب بين التطور التقني وحماية الحقوق والحريات الفردية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية