العواصم أمهات أيضاً.. نكتب إليهن شوقاً وحباً حيناً، وحزناً وخوفاً في كثير من الأحيان، وأنا لا يبكيني أبداً إلا رحيل الأمهات وسقوط العواصم..

**

مرّت ست عشرة سنة على الدمعة الأولى النازفة من عين دجلة، والزفرة الأولى لدبابة الجسر، واهتزاز النخيل الثائر، مرّت ست عشرة سنة على صوت «الصحّاف» وفوتيك الجيش العراقي الأخضر، والحلم العربي الأخضر الذي كان يأمل أن يكسر عظمُ الكفّ المخرزَ.. ست عشرة سنة على الرمال التي ثارت في وجه المحتل وتصاعدت في السماء تدعو أن يحمي الله «عاصمة الرشيد» وابنة الرشيد وعباءة العروبة الأخيرة، ثارت الرمال كما يثور الطحين في وجه الخباز، يرفض النار ويشدّه الحنين إلى السنابل.. لكن ريح العروبة كانت ساكنة أكثر مما يجب، وسكّين الخيانة حادة أكثر مما يجب، والعراق ينزف وحيداً وحيداً بمنجل أبو لؤلؤة المتشظي بين أيادي الجموع، فنزفت بغداد وطُعنَ الشهود..

**

كم مرٌ مرَّ من أعمارنا، كم حزن ترك خدشاً في أرواحناً، كم تجعيدة استقرّت ذات بكاء تحت أعيننا كجدول نهري جفّ سيله.. كم عاصمة أوجعتنا، فنقّطنا أحرف سمائها بأسراب الحمام، كم مرة محونا بأجنحة العصافير وبممحاة الغيم الأبيض اعوجاج الظلام.. ست عشرة سنة وبغداد أمّ العروبة تنام بين جفنينا، بغداد الأم التي بقيت كما هي، ما هجرت يوماً عباءتها ولا نزعت ملاءتها ولا كشفت عن ساقيها في كل معاركها.. بغداد مثل كل الأمهات الرائعات حتى في لحظة النزف أو الموت كانت تحرص على حشمتها و«سترتها» وأمومتها..

كان لنا بوابة في الشرق اسمها بغداد.. ينام العرب آمنين مطمئنين، خصام، لئام، وئام، لا يهم.. المهم أن بوابة الشرق كانت موصدة، وكل العواصف تصدّها عاصمة العواصم، الذئاب، الضباع، الوحوش كلها تكسرت مخالبها على بوابة الشرق.. وعندما «سمسر» الأعراب على خشبها وحديدها وأقفالها.. هوت البوابة على الأرض.. انكشف ظهرنا تماماً.. حتى الكلاب صارت ترعبنا، تجول في غرفنا، تحاول أن تأكلنا.. ولا نستطيع النوم خوفاً..

كان لنا في الشرق بوابة اسمها بغداد.. وكان ألف «أبو رغّال» يحيك خيانته خلفها.. ويفخرُ أنه «قواد».. كان لنا في الشرق بوابة اسمها بغداد..

ahmedalzoubi@hotmail.com