أما من منظور نظرية الصراع في علم الاجتماع السياسي، فإن تصاعد المواجهات ليس مفاجئًا، لأن استمرار اختلال ميزان القوة وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يولدان حالة احتقان تتراكم مع الزمن حتى تنفجر عند أول شرارة. لذلك لم تكن أحداث تل والخليل سبب الأزمة، بل كاشفة لها، حيث برز هنا دور قطعان المستوطنين المسلحين، والذين يملكون غطاءً أمنيًا وقانونيًا لممارسة كل أشكال التوحش، الأمر الذي جعل الحدود بين دور الجيش والمستوطنين أقل وضوحًا في كثير من مناطق الاحتكاك، وهو ما عزز ويعزز قناعة الفلسطينيين بأنهم يواجهون منظومة واحدة، لا جهات منفصلة.
أما نظرية الحرمان النسبي فتفسر جانبًا آخر من المشهد. فالانتفاضات لا تنشأ بالضرورة بسبب الفقر وحده، وهو عامل لم يكن سمة من سمات الحياة في الضفة الغربية يومًا، بل عندما يشعر المجتمع بأن حقوقه السياسية والوطنية تتراجع باستمرار، وأن الأفق المستقبلي يُغلق أمامه. ومع توسع الاستيطان، والاقتحامات المتكررة، وازدياد اعتداءات المستوطنين، تتزايد مشاعر الإحباط والغضب، وهي البيئة التي غالبًا ما تسبق الانفجارات الشعبية.
وبات السؤال الأهم اليوم: هل تقترب الضفة الغربية من انتفاضة ثالثة؟
لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات الميدانية تجعل هذا الاحتمال أكثر حضورًا. فالانتفاضة الأولى عام 1987 كانت انتفاضة شعبية واسعة، بينما اتسمت انتفاضة عام 2002 بطابع أكثر عسكرة. أما اليوم، فقد تبدأ شرارة الانتفاضة الثالثة من حادث عرضي أو موقف ما يكون بمثابة عود "الكبريت" الذي يشعل برميل البارود الشعبي. وتشير نظرية "تعبئة الموارد"، وتحديدًا لتشارلز تيلي، والتي ترى أن الاحتجاجات والثورات لا تعتمد فقط على حجم الغضب الشعبي، بل أيضًا على قدرة المجتمع على التنظيم، وتوافر القيادة، وشبكات التعبئة. وهنا يبرز عامل الانقسام الفلسطيني باعتباره أحد أهم العوامل التي قد تؤخر تحول الغضب الشعبي إلى انتفاضة شاملة، رغم اتساع أسبابها.
تدرك إسرائيل أن الضفة الغربية تمثل عمقًا أمنيًا بالغ الحساسية، ولذلك تسعى إلى فرض معادلة ردع تمنع تشكل بنية مقاومة واسعة فيها. لكن التاريخ يبين أن الإفراط في استخدام القوة قد يحقق نتائج معاكسة، إذ يؤدي أحيانًا إلى توسيع دائرة المقاومة بدلًا من احتوائها.
من قرية تل إلى الخليل، تبدو الضفة الغربية أمام لحظة مفصلية. وإذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية، فإن السؤال لن يكون ما إذا كانت الضفة تتجه نحو انفجار، بل متى، وما إذا كان هذا الانفجار سيبقى محصورًا داخلها أم سيعيد رسم معادلات الصراع في المنطقة بأسرها.