الدولة والإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي: من يضع القواعد؟

تاريخ النشر : الأحد 11:43 4-10-2026
العين حسين الحواتمة

لم يعد الذكاء الاصطناعي خبراً عن المستقبل، بل صار جزءاً من الحاضر. وظهور ناطق رسمي افتراضي باسم الحكومة ليس سوى بداية طريق، والسؤال الذي يجب أن نطرحه الآن: إلى أين يأخذنا؟ اليوم ناطق افتراضي، وغداً وزير أو سفير أو مدير أو قاضٍ أو طبيب افتراضي، وربما مؤسسات وحكومات افتراضية. قد يبدو ذلك بعيداً، لكنه كان سيبدو أبعد قبل سنوات قليلة؛ فالتكنولوجيا تتحرك أسرع من قدرتنا على تخيّل نتائجها.

لا نريد أن نصل متأخرين مرة أخرى

الدول لا تنتظر الأزمة لتستعد لها، و(إعداد الأمة) الذي ارتبط تاريخياً بالحروب والكوارث يجب أن يتسع اليوم لتحوّل يعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الإنسان والآلة. وقد تعلّمنا الدرس مع وسائل التواصل الاجتماعي: دخلت التكنولوجيا بسرعة وتأخرت ثقافة استخدامها، فجاء قانون الجرائم الإلكترونية بعد انتشار المشكلات تشريعاً تداركياً. فلماذا نكرر التجربة؟ إذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي تابع لمؤسسة رسمية وألحق ضرراً بمواطن، فمن المسؤول: الموظف، أم المؤسسة، أم الشركة المطوّرة؟ لا يجوز أن تصبح عبارة (الذكاء الاصطناعي أخطأ) بديلاً عن المسؤولية؛ فكل قرار يمسّ المواطن يجب أن تقف وراءه مسؤولية بشرية محددة يمكن مساءلتها. وإن تقبّلنا خطأ موظف افتراضي في معاملة، فكيف بقاضٍ افتراضي يُصدر حكماً، أو مدير افتراضي يقرر مصير موظفين؟ وسيأتي يوم نُسأل فيه: متى يصبح الموظف الافتراضي أو المؤسسة الافتراضية شخصية اعتبارية لها حقوق وعليها التزامات، تُقاضي وتُقاضى؟ وهو سؤال يجب أن يحسمه المشرّع قبل أن يفرضه الواقع.

ويبلغ هذا السؤال أقصى خطورته في الطب. فبعض المختبرات باتت ترسل النتائج إلى المريض مرفقة بتحليل آلي يشرح حالته قبل أن يراه طبيب، وكثير من الأفراد والقطاعات يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي للاستشارة في الأعراض والأدوية والجرعات، فيحصلون على إجابات واثقة بلا ترخيص ولا جهة تُساءل. وقانون المسؤولية الطبية والصحية رقم 25 لسنة 2018 كُتب لعالم يتخذ فيه الإنسان القرار الطبي؛ فمن المسؤول إذا أخذ الطبيب بتوصية خاطئة من النظام، أو طمأنت منصة رسمية مريضاً فتأخر علاجه حتى تفاقمت حالته؟ المطلوب أن يبقى القرار الطبي النهائي بيد طبيب مرخّص، وألا يُعتمد أي نظام قبل اختباره على بيانات محلية، وأن يوضّح كل مختبر أن تحليله الآلي لا يغني عن الطبيب، وأن يُراجَع القانون قبل أن تجيب عنه أول قضية أمام المحاكم. والأخطر من الخطأ اهتزاز الثقة. فماذا لو ظهر حساب يقلّد صوت مسؤول وصورته، أو يتحدث باسم مؤسسة أو مستشفى ولا علاقة له بهما؟ هذا يستدعي هوية رقمية موثوقة للجهات والشخصيات الافتراضية الرسمية، وتشريعات تجيب عن أسئلة لم تعرفها كتب القانون، كالإساءة إلى شخصية افتراضية تمثّل مؤسسة، أو المحتوى المضلّل الذي ينتشر عنها.

إعداد المجتمع قبل إعداد الأنظمة

الإعداد الحقيقي يبدأ من الإنسان. اجتماعياً، يجب ألا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى فجوة جديدة يُترك فيها كبار السن وسكان الأطراف ومحدودو الدخل خلف الركب. ونفسياً، علينا أن نتعامل مبكراً مع قلق الناس على وظائفهم، ومع الاعتماد المفرط على الآلة، ومع علاقات قد تنشأ مع شخصيات افتراضية تحاكي التعاطف. وثقافياً، يبقى الحفاظ على عقل المواطن مسؤولية وطنية؛ فمن يعتاد أن تفكر الآلة عنه يفقد تدريجياً قدرته على التحليل والإبداع، حتى نصل إلى جمود فكري لا تعوّضه أذكى الأنظمة. لذلك نحتاج إلى ثقافة تحقّق وتفكير نقدي تبدأ من المدرسة، تجعل الذكاء الاصطناعي أداة تُغني التفكير لا بديلاً عنه. فالمجتمع المهيّأ يستقبل التكنولوجيا بأكبر فائدة وأقل تداعيات، دون أن يضطر إلى حلول تداركية.

من الاستخدام إلى التوطين

امتلاك أحدث التقنيات لا يعني الجاهزية، والاستخدام وحده لا يكفي؛ فالمستخدم يبقى تحت رحمة المصنّع الذي يحدد الشروط ويملك البيانات ويقرر متى يوقف الخدمة. وقد رأينا كيف تحولت الرقائق والتقنيات المتقدمة إلى ملف في الصراعات وقيود التصدير، ولا نعلم متى يصبح الذكاء الاصطناعي نفسه وسيلة ضغط على الدول أو جزءاً من العقوبات المفروضة عليها. فماذا يحدث لمستشفى أو وزارة بُنيت خدماتها على نظام أجنبي إذا قُطع فجأة؟ من هنا يجب أن نوظّف الذكاء الاصطناعي لتوطين التكنولوجيا لا لاستهلاكها فقط: حلول محلية، وكفاءات تطوّر ولا تكتفي بالتشغيل، وبيانات تبقى داخل الدولة، وخدمات حيوية لا يملك مزوّد واحد مفتاح تشغيلها.

ما لا يُعلَن أكبر مما نرى

وما نراه في الخدمات الحكومية ليس إلا الجزء الظاهر. فبعض الدول أحرزت تقدماً كبيراً في برامج (جندي المستقبل) التي يعتمد جزء كبير منها على التكنولوجيا، وباتت الدول المتقدمة تعتمد أكثر فأكثر على الذكاء الاصطناعي في رسم السياسات ووضع الخطط ومحاكاة السيناريوهات قبل اتخاذ القرار. وكثير من هذا التقدم يجري في برامج سرية محاطة بحماية عالية، كما بات واضحاً أن جزءاً كبيراً من العمل الاستخباري أصبح تكنولوجياً بحتاً. وأمام هذا الواقع سيجد العالم نفسه مضطراً إلى تعديل القوانين الدولية لتواكب حروباً وعمليات لا تشبه ما كُتبت له، ومن لا يستعد لذلك سيجد نفسه خارج طاولة صياغة هذه القواعد.

الاستعداد يسرّع ولا يعيق

ولا يعني شيء من ذلك التريّث أو التخوّف. فالبدء مبكراً في معالجة هذه التحديات يسرّع دخول التكنولوجيا ولا يحاربها: المواطن الذي يثق بوجود قواعد تحميه يُقبل عليها، والمؤسسة التي تعرف حدود مسؤوليتها تتبنّاها، والمستثمر الذي يرى وضوحاً تشريعياً يأتي. أما التأجيل فيجعل دخولها أبطأ وأكثر كلفة.

ونحن دولة تمتلك قوة بشرية مؤهلة أثبتت حضورها في التكنولوجيا والطب والهندسة، ولا يجوز أن نسمح لأي تحدٍّ بأن يحدّ من تقدّمنا أو يعيق استفادتنا من الذكاء الاصطناعي، بل علينا أن نحوّل التحديات إلى قواعد تمهّد الطريق. فالفارق بين دولة تستعد لهذا التحول وأخرى تنتظر حتى يفاجئها ليس في امتلاك التكنولوجيا، بل في امتلاك الرؤية. والسؤال الذي يجب أن يشغلنا اليوم ليس: هل ستدخل التكنولوجيا إلى الدولة؟ بل: هل سنكون نحن من يضع قواعد دخولها، أم نتركها للواقع يفرضها علينا، لنجد أنفسنا يوماً نحاول اللحاق بها؟

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }