ومع تسارع التطورات في المنطقة، يطفو التشاؤم على كثير من أحاديثنا، قلق مشروع، لكنه يتحول أحيانا إلى انطباع دائم، انطباع أكثر منه انعكاسا دقيقا للواقع.
وهنا يبرز سؤال مهني وأخلاقي: من يصنع ثقافة التفاؤل؟
المهنية الصحفية تقتضي نقل الحقيقة ووضع اليد على مواطن الخلل، لكنها تقتضي أيضا إدراك حاجة الناس للفرح والأمل، الناس مثقلون أصلا بأعبائهم الاقتصادية والاجتماعية، وهم لا يحتاجون إلى مزيد من التهويل بقدر حاجتهم إلى خطاب متوازن يرى الصورة كاملة.
هذه الثقافة تبدو غائبة.. وغيابها أسهم في زيادة سوداوية المشهد. بتنا ننقل ما يؤلم فقط، وننسى ما يمنح الناس القدرة على الاستمرار.
هل أصبحنا مجتمعات يغلب عليها فقدان الأمل؟
وسائل التواصل الاجتماعي كرست هذه الحالة بوجهين متناقضين، من جهة، تبث سيلا من الأخبار والصور القاتمة التي تترك أثرا عميقا في النفوس؛ ومن جهة أخرى، تقدم صورا مثالية عن السعادة والنجاح، قد تكون بعيدة عن حقيقة أصحابها، فتخلق فجوة جديدة بين الواقع والصورة.
التفاؤل لا يُصنع بالشعارات ولا بالإنكار، يُصنع حين يرى الناس أثراً ملموساً لجهدهم، قصة طالب تفوق رغم ضيق الحال، أو مبادرة في حي نظمت شارعا، أو مشروع صغير بدأ بفكرة وكبر. هذه النماذج ليست تجميلا للواقع، بل هي الواقع نفسه حين نختار أن نضيء جانبه الآخر.
ولعل البداية لا تكون في الوزارات، بل في لغة البيت والمدرسة.. حين نعلم أبناءنا أن النقد لا يعني جلد الذات، وحين يقرر الإعلام أن يخصص مساحة يومية لقصة نجاح واحدة بجانب كل خبر عن أزمة، نكون قد بدأنا نستعيد التوازن. الثقة لا تعود بقرار، بل بتراكم صور إيجابية صادقة.
إن صناعة السعادة، أو على الأقل خلق انطباع إيجابي، مسؤولية مشتركة. لم تعد الصورة والانطباع حكرا على جهة. الجميع بات على صلة بالحدث.
لذلك لم تعد صناعة التفاؤل ترفا، بل أصبحت حاجة تتطلب جهدا مؤسسيا ومجتمعيا؛ إذا كانت بعض الدول قد أنشأت وزارات للسعادة، فنحن أحوج إلى البحث عن قيم التفاؤل وأسبابه، وعن مساحة أكثر توازنا في معركة الانطباعات اليومية.
لماذا نترك فضاء المشاعر للتشاؤم وحده صناعة التذمر والإحباط أكثر تأثيراً عندما يكون ممارسو التذمر من علية القوم (النخبة) ومن أدق ما قيل في صناعة اليأس حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: »إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ؛ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ« يعني بذلك من روّج بين الناس روح الإحباط والشعور باليأس، بينما هناك دائما جانب آخر من الصورة يستحق أن يُرى؟
التفاؤل ليس إنكارًا للواقع، بل هو أن نعرف ما يؤلمنا، دون أن نغفل ما يمنحنا القدرة على الاستمرار، وكثيرا ما نحتاج لمفاهيم الأنسنة في فضاء مفتوح على أبواب رسم صورة نمطية عن كل ما يحيط بنا.