تقدم الصحف الإسرائيلية اليوم صورة تراها قاسية لحجم الخسائر البشرية في الحرب، بمجموع 2,347 قتيلًا من مدنيين وعسكريين، منهم المدنيون الإسرائيليون الذين قتلوا منذ السابع من أكتوبر، وفق ادعاءاتها، بلغ حوالي 1,029 مدنيًا، فيما قتل نحو 1,318 عسكريًا في المعارك منذ بداية الحرب، بينهم 1,153 من الجيش الإسرائيلي، إلى جانب قتلى من فرق التأهب المدنية والشرطة والشاباك ومصلحة السجون، فضلًا عن حالات وفاة مرتبطة بالعجز الذي خلفته الحرب.
هذه الأرقام تبين أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مؤقتة، بل تحولت إلى حرب استنزاف طويل الأمد تمس المجتمع والاقتصاد وجيش الاحتلال وقوات الاحتياط، وتعيد تشكيل الحياة السياسية، واستمرار حالة الطوارئ، ويزداد ثقل هذه الكلفة مع استمرار حالة الطوارئ واستدعاء قوات الاحتياط، وما يرافق ذلك من أعباء على الأسر وسوق العمل وجيش الاحتلال.
على صعيد آخر، وفي ظل هذه الظروف، تدخل المعارضة الإسرائيلية الانتخابات وهي أمام معضلة واضحة، فهي تنتقد حكومة بنيامين نتنياهو، الذي يقود حكومة هي الأكثر تطرفًا، على إدارة الحرب والإخفاقات الأمنية، لكنها تواجه صعوبة في تقديم خطاب يشكل قطيعة كاملة مع الرؤية الأمنية التي هيمنت على إسرائيل خلال السنوات الماضية.
وتكشف مقالات الصحافة الإسرائيلية أيضًا أن قادة المعارضة يحاولون استقطاب الناخبين المترددين واليمين المعتدل، عبر التأكيد على أن المشكلة ليست في القوة العسكرية أو التشدد الأمني بحد ذاتهما، وإنما في طريقة إدارة الحكومة لهذه الملفات، وبذلك، تتحول المنافسة الانتخابية إلى سؤال: حول من يستطيع إدارة الأزمة بصورة أفضل، أكثر من كونها مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل الصراع، أي بمعنى أنها لا تقدم رؤى واستراتيجيات سياسية جديدة تنهي حالة الصراع مع الفلسطينيين من خلال إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والانسحاب من الأراضي المحتلة في لبنان وسوريا.
كما تبدو هذه المعضلة أكثر وضوحًا في تعامل المعارضة مع الصوت العربي داخل إسرائيل، فبدلًا من بناء خطاب يعيد الحقوق للمواطنين العرب على صعيد الحياة السياسية، ساهمت مواقف قادة المعارضة من قضية سامي أبو شحادة في تعزيز الانطباع بأن مساحة الاختلاف السياسي تضيق أمام المجتمع العربي، في وقت يمكن أن تكون فيه نسبة مشاركته الانتخابية عاملًا حاسمًا في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
إذًا، تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة اختبارًا مزدوجًا لقدرة المجتمع الإسرائيلي على التعامل مع كلفة حرب طويلة، واختبارًا لقدرة المعارضة على تقديم بديل يتجاوز مجرد إدارة الأزمة، فالأرقام التي تكشف حجم الخسائر تضع أمام الناخب الإسرائيلي سؤالًا يصعب تجاهله: بعد ثلاث سنوات من القتال، هل المطلوب استمرار المسار ذاته بكفاءة أكبر، أم البحث عن طريق سياسي وأمني مختلف؟
بالمجمل، الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط هوية الحكومة المقبلة، بل قد تحدد أيضًا اتجاه إسرائيل في السنوات القادمة، نحو استمرار الحرب والاستنزاف، أم نحو مراجعة عميقة لكلفة الصراع وحدود القوة العسكرية وجدوى استمرار المسار الحالي؟