خطط الإستيطان المسعورة تبدو جلية من خلال خطة وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لتوسيع ما يسمى مستوطنة "عاليه" في منطقة " بنيامين" ، من خلال المصادقة المرتقبة على آلاف الوحدات السكنية الجديدة، إلى جانب مشاريع أخرى في مستوطنات الضفة المحتلة.
في الداخل الإسرائيلي يحاول البعض إظهار أن المجتمع هناك منقسم بين مؤيد ومعارض على التوسع الإستيطاني، فبينما يقدم سموتريتش الاستيطان باعتباره "بشرى وطنية واستيطانية وأمنية"، ترى أصوات أخرى في المؤسسة الإعلامية والأمنية الإسرائيلية أن عودة " الإنتفاضة" في الضفة الغربية تحمل مخاطر استراتيجية قد تتجاوز قدرة إسرائيل على احتوائها، فالتوسع الاستيطاني، وفق هذا الاتجاه، لا يغير الخريطة الجغرافية فحسب، وإنما يدفع نحو واقع سياسي جديد يقوم على السيطرة الدائمة على مساحات واسعة من الضفة وإضعاف إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، بما يترتب على ذلك من كلف ونتائج غير محسوبة.
الأمر الأكثر خطورة ، هنالك ربط بين توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية وبين تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين العزّل، بما يضغط على التجمعات الفلسطينية ويدفعها إلى النزوح أو الانكفاء داخل مناطقها.
وما يلفت النظر، الأرقام اللافتة حول إقامة عشرات البؤر الاستيطانية والمزارع واتخاذ قرارات لإنشاء مستوطنات جديدة، في سباق مع الزمن، فهذه العملية ليست منفصلة عن الإعتداءات التي تشهدها الضفة الغربية المحتلة، وإنما تشكل جزءا من مسار تراكمي لإعادة رسم الديموغرافيا والجغرافيا في الضفة المحتلة.
كل هذه الضغوط الإسرائيلية، تدفع من انتقال الضفة إلى دائرة جديدة من الإعتداءات التي يصعب وقفها، وهي أمام مرأى ومسمع العالم .
ما لا يدركه المستوى السياسي للإحتلال، أن التعامل مع الضفة باعتبارها ساحة مفتوحة للمشروع الاستيطاني قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فإضعاف السلطة الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وتشريد الشعب الفلسطيني، وتصاعد العنف، كلها عوامل يمكن أن تعيد إنتاج انتفاضة جديدة.
فالضفة الغربية المحتلة هي وجهة نتنياهو الآن بعد أن أجبر على وقف الحرب في الجبهات الأخرى، وهي تدخل مرحلة مفصلية، فإما أن تتجه إسرائيل نحو احتواء التصعيد والحفاظ على إمكانية التسوية، أو أن تستمر في مسار التوسع الاستيطاني الذي قد يقود إلى واقع الدولة الواحدة، بما يحمله ذلك من أزمات أمنية وديموغرافية وسياسية، وفي هذه المعادلة، لا تبدو المعركة على الضفة مجرد صراع على الأرض، بل صراعا على مستقبل المنطقة بأكملها، وهي التي قد تفجر التوازن كله، والتي تخوض حربا مفتوحة وكل ذلك بسبب الإحتلال الإسرائيلي الغاشم لفلسطين.
فهل تستطيع دولة الإحتلال الإستمرار بالجمع بين توسيع الإستيطان في الضفة المحتلة، ومحاولات إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية،وإبادة شعب غزة، ومواجهة إيران بأذرعها المختلفة،والحفاظ على علاقاتها الإستراتيجية مع واشنطن، وتحقيق مسعاها بإقامة علاقات طبيعية بالكامل مع دول المنطقة، والإحتفاظ بأراضىٍ محتلة في لبنان وسوريا، دون أن تصل إلى نقطة الإنفجار؟