ويبدو أن جيش الاحتلال بات أكثر عدوانية في سلوكياته وأساليبه، محاولًا نقل نموذج عملياته العسكرية التي انتهجها في قطاع غزة إلى مدن الضفة الغربية، مستندًا إلى غطاء سياسي يوفره اليمين الإسرائيلي المتطرف، الأمر الذي يزيد من حالة التصعيد والتغول. وهذا يضع الأردن أمام معطيات جديدة في التعاطي مع الاحتلال، الذي بات يتبنى نهجًا أكثر تطرفًا، ويرفض منطق السلام، ويدفع بسياساته نحو تهجير الفلسطينيين، في ظل اتساع رقعة الاستيطان وتصاعد ممارسات المستوطنين.
ويبدو أن المشهد الدولي، حتى الآن، غير مهيأ لوقف هذا العدوان أو كبح جماحه، فيما يواصل بنيامين نتنياهو وحلفاؤه من أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش شراء الوقت، انتظارًا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة، مع السعي إلى توظيف التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
إن محاولات نتنياهو وحكومته فرض واقع جديد في الضفة الغربية تمثل تحديًا مباشرًا للأردن، وتستدعي تفعيل مختلف أدوات المواجهة السياسية والدبلوماسية. وقد بدأت الدبلوماسية الأردنية بالفعل في التحرك، محذرة من مخاطر استمرار العدوان وانعكاساته على أمن المنطقة واستقرارها.
غير أن على نتنياهو وحكومته أن يدركوا أن الأردن ليس ساحة لاختبار سياساتهم أو مغامراتهم. فإذا ما تعرض أمنه الوطني أو جرى المساس بمصالحه ووجوده، فإن الأردنيين، بوحدتهم الوطنية والتفافهم حول القيادة الهاشمية، قادرون على التصدي لأي محاولات تستهدف فرض التهجير أو المساس بسيادة الوطن، مهما تعددت الذرائع والمبررات.
كما أن هذا التغول غير المسبوق يستوجب التمسك بالموقف الداعم لسيادة السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية، وتعزيز الجهود الرامية إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مع الإبقاء على جميع الخيارات السياسية المشروعة مفتوحة، بما يحفظ الحقوق الفلسطينية ويصون المصالح الوطنية الأردنية.
ولا تخلو سياسات حكومة الاحتلال من محاولات متكررة لاستفزاز الأردن، عبر استهداف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهو ما يتجلى في الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى من قبل الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، في مشهد يعكس تناغمًا واضحًا في توزيع الأدوار داخل الحكومة الإسرائيلية.
ويعتقد نتنياهو أن تصعيده العسكري في الضفة الغربية، إلى جانب الخطاب المتطرف الصادر عن وزرائه، كفيل بإرضاء حلفائه في اليمين الإسرائيلي وإشباع نزعاتهم المتطرفة تجاه كل ما هو فلسطيني. غير أن الواقع يشير إلى أنه يواجه واحدة من أضعف مراحله السياسية، سواء بفعل تصاعد المعارضة الداخلية، أو نتيجة الإخفاقات التي رافقت حربه على قطاع غزة، والتي أسهمت في كشف صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي.
وفي المحصلة، فإن الضفة الغربية لن تكون ساحة اختبار لإرادة الأردن أو لمكانته الإقليمية. فالحضور الأردني، وصلابة الموقف الرسمي، وتماسك الجبهة الداخلية، إلى جانب الدعمين العربي والدولي، تشكل جميعها عناصر قوة تحول دون نجاح مشاريع التطرف التي تتبناها حكومة نتنياهو.
وفي ظل التحولات التي يشهدها الإقليم، وما أفرزته الحرب مع إيران من تداعيات سياسية وأمنية، إلى جانب حسابات نتنياهو المرتبطة بالحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم وتجنب خسارة حزب الليكود وحلفائه، تبرز الحاجة إلى يقظة أردنية مستمرة، تواصل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وترفض سياسات فرض الأمر الواقع، وتحافظ في الوقت ذاته على ثوابت الأردن ومصالحه الوطنية.