يتضح من ذلك أن الرؤية الأردنية تذهب باتجاه تفضيل بناء تضامن عربي ـ عربي شامل لدول المشرق، على الأقل، منفتح على التعاون الإقليمي، على الدخول في بناء سلسلة من الأحلاف التي لا تصب في المصلحة الكبرى العامة. ونجد أن الأردن يرحب ويدعم أي تعاون سياسي وعسكري ثنائي أو أكثر بين الدول الصديقة والشقيقة، ولكنه أيضًا لا يتمنى أن يصبح ذلك نسقًا يجتاح المنطقة برمتها، فلا بد من تحويل هذه الثنائيات أو الثلاثيات وغيرها إلى تشييد حالة عامة من التضامن في الشرق العربي، مع جسور قوية مع دول صديقة في الإقليم، ومؤازرة حقيقية مع المغرب العربي. ولعل الواقع الذي آلت إليه مؤسسات الجامعة العربية يدفعنا إلى ضرورة إعادة بناء هذا التضامن على أسس جديدة، تجعل المنطقة تتحرك ككتلة واحدة في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية المشابهة لما تواجهه هذه الدول اليوم.
إن الأردن الاستراتيجي المتصف بالحكمة والتمهل ينظر إلى المنطقة العربية، وفي المشرق بالذات، باعتبارها بيئة مناسبة لبناء هذا التضامن الشامل، الذي يتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة إلى حالة من التعاضد المنتج سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. ولا ضير من تأطير هذا كله من خلال سلسلة من الاتفاقيات والتفاهمات العابرة لدول التضامن، مما يسمح لهذا النوع من التضامن أن يتجاوز التنسيق السياسي العام، وصولًا إلى تمتين الحالة العامة بوجه الاعتداءات ومحاولات تهديد دول المنطقة والاستقواء عليها، واعتبار الجغرافيا متعددة الشراكات، إلى حالة من هيمنة طرف واحد، بما يناقض كل القوانين والأعراف والحقوق. وهو استقواء إن استمر قد يستولد واقعًا كان سائدًا قبيل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكلنا يعي النتائج المدمرة التي نتجت عن هاتين الحربين الكونيتين.
لكن السؤال الذي قد يبرز عند البعض: هل يعارض الأردن أن يتحول هذا التضامن الأشمل إلى حلف كبير يناظر حلف الناتو مثلًا؟ بالتأكيد الأردن يرحب بذلك بشكل كبير، كون هذا التوجه ينسجم مع رؤاه ومنهجياته الاستراتيجية للمنطقة، وأن من شأن مثل هذا التضامن العام أو الحلف الكبير أن يمنع تعدد الأحلاف وتقاطعها. وربما هذا التعدد في الأحلاف يخلق حالة من التناقض في الرؤى والتوجهات في التعاطي مع التحديات الإقليمية المتلاحقة، مما ينتج حالة عكسية من التضامن الضروري إلى واقع متنافر باطنيًا وظاهريًا. وهذا بالتأكيد من شأنه إضعاف المنطقة أكثر، بشكل يزيد من المخاطر الوجودية التي تهددها وتستهدف وجودها ومستقبلها، وهو ما يخشاه الأردن ويحذر منه دائمًا.