في التاسع من تشرين الثاني عام 2005، شهد الأردن واحدة من أكثر المحطات إيلاما في تاريخه الحديث، حيث استهدفت تفجيرات إرهابية متزامنة ثلاثة فنادق في العاصمة عمان، وأسفرت عن استشهاد نحو 60 شخصا وإصابة أكثر من 100 آخرين، في جريمة هزت وجدان الأردنيين وأثارت صدمة واسعة في المجتمع.
اليوم، وبعد مرور 21 عاما على تلك الاعتداءات الآثمة، تعود الذكرى في ظل تحديات أمنية وإقليمية، لتطرح تساؤلات حول طبيعة الإرهاب وأساليبه الجديدة، ومدى قدرة الأردن على مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنه واستقراره.
لم تكن تفجيرات عمان مجرد اعتداءات استهدفت مواقع مدنية، بل محاولة لضرب الاستقرار الوطني وإثارة الخوف والفوضى داخل المجتمع، إلا أن الرد الأردني جاء مؤكدا تماسك الجبهة الداخلية والتفاف المواطنين حول مؤسسات الدولة ورفضهم المطلق للتطرف والإرهاب.
لقد شهدت السنوات الماضية تغيرات كبيرة في طبيعة العمل الإرهابي، فلم يعد مقتصرا على التفجيرات الانتحارية والعمليات واسعة النطاق، بل امتد إلى الخلايا الصغيرة والتطرف الفردي والتجنيد الإلكتروني واستغلال التكنولوجيا في تنفيذ المخططات العدائية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في ظل التطورات الأمنية التي شهدها الأردن أخيرا، من مخططات استهدفت الأمن الوطني، شملت قضايا مرتبطة بتصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة، وحيازة المتفجرات والأسلحة، والتجنيد والتدريب.
وأعادت الحوادث الأمنية الأخيرة النقاش حول طبيعة التهديدات التي تواجه المملكة، وأهمية تطوير أدوات المواجهة الأمنية والفكرية والتشريعية.
وفي قراءة لهذه التحديات، فإن مواجهة التطرف العنيف تتطلب استراتيجية وطنية شاملة، تشمل معالجة الظروف الفكرية والاجتماعية التي تساعد على انتشار التطرف، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والدينية والمجتمعية.
إن استذكار تفجيرات عمان بعد 21 عاما لا ينبغي أن يقتصر على استحضار الألم والضحايا، بل يجب أن يشكل فرصة لتقييم التجربة الأردنية واستخلاص الدروس للمستقبل.
فالأردن، الذي واجه عام 2005 إرهابا استهدف قلب العاصمة، يواجه اليوم بيئة إقليمية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع الأزمات السياسية والعسكرية ومخاطر التطرف العابر للحدود.
من جهته، أشار الخبير في الشؤون الأمنية العقيد المتقاعد الدكتور عبدالمجيد الكفاوين إلى أهمية التعاون الأمني والإقليمي والدولي في مواجهة التهديدات المتغيرة، خصوصا في ظل الموقع الجغرافي للأردن وما تشهده المنطقة من أزمات وصراعات، مشيرا إلى أهمية الجمع بين الإجراءات الأمنية والتوعية المجتمعية وحماية الشباب من الاستقطاب الفكري، باعتبار أن مواجهة الإرهاب تبدأ من منع انتشار الفكر المتطرف قبل تحوله إلى سلوك عنيف وإجرام.
وأضاف أن نجاح المواجهة لا يقاس فقط بإحباط العمليات الإرهابية، بل أيضا بقدرة الدولة والمجتمع على منع نشوء البيئات الحاضنة للتطرف.
فيما تؤكد أستاذة العلوم السياسية الدكتورة رشا المبيضين أن تماسك المجتمع الأردني يمثل أحد أهم عناصر القوة في مواجهة الإرهاب، لافتة إلى أن التطرف يسعى إلى استغلال الاختلافات الاجتماعية والدينية والسياسية لإحداث الانقسام وإضعاف الثقة بمؤسسات الدولة.
وتابعت أن من هنا تبرز أهمية تعزيز دور الأسرة والمدرسة والجامعة، وتطوير الخطاب الديني المعتدل، ومواجهة خطاب الكراهية والشائعات، إلى جانب رفع الوعي بمخاطر التجنيد الإلكتروني.
وقالت إن ذلك يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين اليقظة الأمنية والتوعية الفكرية والتنمية الاجتماعية وتطوير التشريعات، منوهة إلى أنه وبعد أكثر من عقدين على تلك الجريمة، تبقى الرسالة الأردنية واضحة: فالإرهاب لا يستهدف أفرادا أو مواقع بعينها فقط، بل يسعى إلى ضرب الدولة والمجتمع ووحدتهما.