تُقرأ جريمة استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة على مستويين: اعتداء واجب مواجهته بالقانون، وفرصة لفهم سبل حماية المجتمع من عودة العنف. فبحسب ما أعلنته مديرية الأمن العام، تشير التحقيقات الأولية إلى تخطيط لاستهداف رجال الأمن، وقد باشرت نيابة محكمة أمن الدولة التحقيق. كما نقلت وسائل إعلام أردنية، استنادًا إلى حكم قضائي، أن منفذ الاعتداء سبق أن أُدين في قضية إرهابية. وهذه المعطيات مهمة لفهم السياق، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أداء أي جهة أو تحديد أسباب وقوع الجريمة.
وتبرز هنا مسألة تتجاوز تفاصيل القضية: كيف يستمر العمل الوقائي عبر مراحل المحاكمة والعقوبة والتأهيل والعودة إلى المجتمع؟ فالحزم الأمني يحمي الناس ويطبق القانون، أما الاحتراز فيعني تقييم المخاطر بحسب كل حالة، وتوفير برامج التأهيل المناسبة، وتوضيح مسؤوليات الجهات المعنية وضمان استمراريتها ضمن القانون. ولا يعني ذلك أن كل من أُدين سابقًا سيعود إلى العنف؛ بل إن الوقاية الجيدة تقتضي متابعة مهنية تقيس أثر التأهيل وتتعلم من الوقائع.
ولا يكتمل هذا المسار بالإجراءات الأمنية وحدها. فالتطرف يتغذى على أفكار تبرر العنف وتكفّر المختلف، وقد تستغل منصات رقمية أو ظروفًا شخصية واجتماعية متنوعة. لذلك تساعد الشراكة بين الجهات الأمنية والتربوية والاجتماعية على فهم المؤشرات الجدية، وتوفير قنوات موثوقة للأسر لطلب المشورة أو الإبلاغ عن التحريض الصريح على العنف، من دون وصم الناس بسبب تدينهم أو اختلافهم.
وفي هذا السياق، يمثل الإسلام الوسطي المعتدل أساسًا مهمًا للوقاية المجتمعية، وهو ما عبّرت عنه رسالة عمّان التي أطلقها الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، مؤكدةً سماحة الإسلام واعتداله، ورافضةً الغلو والتطرف والتكفير. وقد جعل الأردن من الدعوة إلى الوسطية والحوار واحترام الإنسان نهجًا يواجه الفكر المتطرف، ويصون صورة الإسلام من ممارسات العنف التي تُرتكب باسمه. ومن هنا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات الثقافية في ترسيخ قيم الرحمة والعدل وحرمة النفس وقبول الاختلاف، كلٌّ من موقعه وبأساليب تناسب الأجيال والمراحل التعليمية.
إن صون الأمن الوطني يتطلب الجمع بين تطبيق القانون على من يثبت تورطه بالعنف، وتعزيز الوعي الذي يحمي المجتمع من أفكار التطرف والغلو. ويقوم هذا النهج على الاعتدال، واحترام التدين، وترسيخ قيم الرحمة والعدل وقبول الاختلاف، مع التصدي الواضح لكل خطاب يحرض على العنف أو يبرره. فالحزم يحفظ أمن الناس، والاحتراز يعزز الوقاية، وكلاهما يسهم في حماية المجتمع وتماسكه.
رحم الله العريف جواد السلايطة، وألهم أسرته وذويه وزملاءه الصبر والسلوان، ونسأل الله الشفاء العاجل للضابط المصاب، وأن يحفظ الأردن وأهله وقيادته من كل سوء.