ليس أخطر على الأوطان من فكر يستبيح الدماء، ويرى في قتل الأبرياء بطولة، وفي استهداف رجال الأمن واجبا! وما شهدته عمّان من جريمة إرهابية أودت بحياة أحد مرتبات الأمن العام وأصابت زميله، بعد أحداث الكرك الأخيرة، يعيد إلى الواجهة سؤالا وطنيا مهما، وهو كيف نعيد ترتيب أولوياتنا في مواجهة الفكر المتطرف، ونطور أدواتنا لمواجهته بحزم وفاعلية؟.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور الوطني الكبير الذي تقوم به أجهزتنا الأمنية، وما يقدمه منتسبوها من تضحيات وجهود متواصلة في سبيل حماية الأردن وصون أمنه واستقراره، فهم خط الدفاع الأول في مواجهة المخاطر والتحديات.
لكن دعم أجهزتنا الأمنية لا يعني أن نتوقف عن مراجعة السياسات والتشريعات والأدوات الوطنية التي تشكل منظومة مواجهة الإرهاب؛ فالمعركة مع التطرف لا تبدأ عند وقوع الجريمة، وإنما قبلها، عندما تتشكل الأفكار التكفيرية وتجد طريقها إلى عقول بعض الشباب، لتتحول لاحقا إلى سلوك يستبيح حياة الناس.
وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة فاعلية التشريعات والعقوبات الرادعة، وتطوير برامج إصلاح وتأهيل أصحاب الفكر المتطرف، وتعزيز الإجراءات الوقائية والقانونية للتعامل مع من تثبت خطورتهم، دون المساس بالحقوق والحريات، وكما أن سياسة الأمن الناعم لا ينبغي أن تفهم باعتبارها تساهلا مع من يهدد أمن المجتمع.
وفي المقابل، لا يمكن أن نترك هذه المواجهة للأجهزة الأمنية وحدها، فالتطرف ليس قضية أمنية فحسب، بل قضية فكر وتربية وثقافة ومسؤولية مجتمعية تبدأ من الأسرة، التي يقع على عاتقها بناء وعي الأبناء ومراقبة التحولات الفكرية والسلوكية الخطيرة، مرورا بالمدرسة والجامعة اللتين يجب أن تعززا ثقافة الحوار وقبول الآخر والتفكير النقدي، وصولا إلى المؤسسات الدينية التي تتحمل مسؤولية تحصين الخطاب الديني من التأويلات المتشددة وأفكار التكفير.
كما أن النخب الثقافية والسياسية ومؤسسات المجتمع المدني مطالبة بألا تكتفي بالإدانة بعد وقوع الجرائم، بل أن تسهم في بناء مناعة فكرية واجتماعية تحاصر التطرف في مهده، وترفض تبريره أو توفير أي غطاء اجتماعي له، فالإرهاب لا يجد طريقه إلى المجتمع من فراغ، ومواجهته مسؤولية وطنية مشتركة لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية.
خلاصة القول، إن الأردن الذي يثق بأجهزته الأمنية ويعتز بتضحياتها، يحتاج اليوم إلى جبهة وطنية متكاملة لا تكتفي بملاحقة الإرهاب بعد وقوعه، بل تعمل على منع أسبابه وتجفيف منابعه، فالإرهاب لا ينتظر، والاهم ان حماية الأردن مسؤولية الجميع، وأمنه واستقراره خط أحمر، وهذه مسؤولية كل مواطن وليس رجال الامن وحدهم، فالتطرف لا ينتظر.. فهل ننتظر؟.