الأطماع الإسرائيلية في جنوب سوريا.. مشروع توسعي يهدد أمن المنطقة

تاريخ النشر : الأربعاء 11:25 4-11-2026
د. خالد الشقران

تسعى إسرائيل إلى استثمار التحولات التي شهدتها سوريا لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والأمنية في الشرق الاوسط، عبر إضعاف الدولة السورية لصالح توسيع سيطرتها العسكرية وبناء مجال نفوذ يمتد من الجولان المحتل باتجاه السويداء والبادية وشرق سوريا، وتقوم هذه الاستراتيجية على فرض وقائع ميدانية طويلة الأمد، واستثمار الانقسامات الداخلية، وتوظيف الروابط المحلية لتحقيق مكاسب جغرافية وأمنية وسياسية، وتشكل هذه التحركات تهديدا لوحدة سوريا وسيادتها، وتمتد تداعياتها إلى الأمن الوطني لدول الجوار، وأمن الحدود والممرات التجارية والموارد المائية، فضلا عن مخاطر تنامي التنظيمات الإرهابية.

تتجسد هذه السياسة ميدانيا في التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وتجاوز خطوط فض الاشتباك لعام 1974، وإقامة مواقع عسكرية ونقاط مراقبة وتحصينات، والسيطرة على مواقع استراتيجية في محيط جبل الشيخ والقنيطرة، إلى جانب الغارات التي تستهدف القدرات العسكرية السورية، كما تمنح السيطرة على المرتفعات والمواقع الحيوية لاسرائيل قدرة أكبر على المراقبة والاستطلاع والإنذار المبكر، وتتيح لها فرض نطاق أمني تتحكم بقواعده، وتقييد قدرة سوريا على إعادة بناء منظومتها الدفاعية واستعادة سيادتها على الجنوب.

وتستثمر إسرائيل هشاشة المرحلة الانتقالية والانقسامات الداخلية لتعميق نفوذها وإعاقة استعادة الدولة السورية لمؤسساتها وسلطتها، خاصة وان استمرار الاضطراب وتعدد مراكز القوة يفتحان المجال أمام التدخل في التفاعلات المحلية وفرض ترتيبات أمنية وسياسية تخدم الاطماع الإسرائيلية، كما يؤدي إضعاف القدرات العسكرية وتراجع السيطرة الأمنية إلى خلق فراغات جغرافية ومؤسسية قابلة للاستغلال من إسرائيل والجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.

وتكتسب السويداء أهمية خاصة في هذه الحسابات، بحكم موقعها المتصل بالجولان ودرعا والبادية، وما توفره من امتداد نحو العمق السوري، وقد حاولت إسرائيل توظيف البعد الطائفي وتقديم نفسها حامية للدروز، من خلال مواقف واتصالات مرتبطة بالتطورات في المحافظة، وطرح ممر إنساني إليها عام 2025، وعلى الرغم من أن الدروز مكون وطني سوري ومواقفهم واتجاهاتهم متعددة ولا ينبغي اختزالهم في توجه سياسي واحد، الا ان التحركات والاتصالات إلاسرائيلية المشبوهه نحوهم تكشف عن سعيها لبناء قنوات نفوذ محلية يمكن استخدامها للتأثير في القرار السوري وإيجاد ترتيبات منفصلة عن سلطة الدولة المركزية،

وفي هذا السياق يبرز مفهوم «ممر داوود»، المتداول في تحليلات سياسية واستراتيجية وتصريحات إسرائيلية بوصفه تصورا لمسار نفوذ يبدأ من الجولان المحتل، ويمر بالقنيطرة ودرعا والسويداء، ثم البادية وشرق سوريا واختراق الأراضي العراقية صولا إلى نهر الفرات وعلى الرغم من عدم اعلان خطة رسمية إسرائيلية متكاملة بهذا الاسم أو تنفيذ ممر جغرافي متصل وفق هذا المسار، غير أن تقاطع التحركات العسكرية والسياسية الإسرائيلية مع جغرافية هذا التصور يستدعي دراسة أبعاده ومخاطرة وما قد يتيحه من امتداد استراتيجي ونفوذ إقليمي.

ومن أخطر تداعيات هذا المسار توفير بيئة ملائمة لعودة التنظيمات الإرهابية وتنامي قدراتها، وفي مقدمتها تنظيم داعش، فالفوضى الأمنية وتراجع سلطة المؤسسات الرسمية وتعدد القوى المسلحة وضعف السيطرة على الحدود تمنح التنظيم فرصا لإعادة تنظيم خلاياه، وتوسيع شبكات التجنيد والتمويل والتهريب، واستغلال التنافس بين القوى المحلية لبناء مناطق نفوذ جديدة، وتزداد خطورة ذلك في الجنوب السوري، حيث تتصل الجغرافيا بالحدود الأردنية والعراقية، بما يتيح للتنظيمات المتطرفة استثمار الثغرات الأمنية والتحرك عبر مساحات واسعة.

وفي هذا الإطار، تثير طبيعة المواجهة بين إسرائيل وتنظيم داعش تساؤلات استراتيجية تستحق التوقف عندها، خاصة وان الوقائع التاريخية تسجل مواجهة واحدة محدودة فقط عام 2016 بين القوات الإسرائيلية ومجموعة مرتبطة بالتنظيم في جنوب الجولان، لكنها لم تتحول إلى اشتباك مستمر أو جبهة مواجهة متواصلة، ولم يشكل التنظيم أي تهديد اولم يقم بأي حملة اوهجمات مباشرة اومتواصلة على إسرائيل، كما لم تشن إسرائيل أي حملة عسكرية صغيرة او واسعة اومستمرة تستهدف تفكيك وجوده وقدراته في الجنوب السوري، وفي المقابل، نفذت إسرائيل عمليات عسكرية واسعة استهدفت مواقع ومنشآت وقدرات تابعة للدولة السورية، ووسعت تدخلها داخل الأراضي السورية، بما أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض قدرتها على ضبط أراضيها وحدودها، وتطرح هذه الوقائع تساؤلات حول وجود تفاهم أو تنسيق بين إسرائيل وداعش وكذلك حول أولويات إسرائيل الأمنية وطبيعة تعاملها الميداني مع التنظيمات المتطرفة في محيط حدودها، وتكمن الخطورة هنا في أن هذه السياسات العدوانية الإسرائيلية التي تضعف مؤسسات الدولة السورية وتوسع الفراغات الأمنية والجغرافية توفر لداعش فرصا لاستعادة نشاطه وتعزيز قدراته العسكرية واللوجستية، فيما تتحمل سوريا والأردن ودول المنطقة المخاطر المترتبة على ذلك.

وتنعكس هذه التطورات مباشرة على الأردن، الذي ترتبط مصالحه الاستراتيجية بوجود سوريا موحدة ومستقرة وقادرة على ضبط حدودها وإدارة مواردها، حيث ان تعدد مناطق النفوذ وتراجع سلطة الدولة يرفعان مخاطر تسلل التنظيمات الإرهابية وتهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود الشمالية، كما تمتد التداعيات إلى الأمن المائي الأردني، في ضوء أهمية حوض نهر اليرموك واتفاقيات تقاسم المياه وإدارة الموارد المشتركة، ويشكل استقرار الجنوب السوري ووجود مؤسسات قادرة على حماية المنشآت المائية وتنفيذ التفاهمات مصلحة أردنية استراتيجية، فيما قد تؤدي الفوضى إلى تعقيد التعاون المائي وزيادة الضغوط على الموارد الأردنية، ويضاف إلى ذلك اضطراب المثلث الحدودي الأردني السوري العراقي ومحيط منطقة التنف، وما يترتب عليه من مخاطر على الممرات البرية والتجارة الإقليمية والتكامل الاقتصادي.

في المحصلة تؤسس الأطماع الإسرائيلية في جنوب سوريا لواقع إقليمي يقوم على فرض النفوذ بالقوة وإضعاف الدول المحيطة، وتفتح المجال أمام تهديدات أمنية تمتد إلى ما وراء الحدود السورية، وفي مقدمتها عودة التنظيمات الإرهابية وتنامي قدراتها، ومن هنا تبرز أهمية دعم وحدة سوريا وسيادتها، وتعزيز قدرة مؤسساتها الوطنية على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وحماية مواردها الطبيعية، ورفض أي ترتيبات تنتقص من حقوقها أو تحول مكوناتها الاجتماعية إلى أدوات في صراعات النفوذ، وأي مشروع يستهدف تفكيكها أو إخضاع جنوبها لحسابات خارجية سيترك تداعيات مباشرة على امن كل دول الجوار واستقرار المنطقة بأكملها.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }