لم تكد تداعيات الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة حمود في محافظة الكرك، وأسفرت عن استشهاد تسعة مواطنين أبرياء، تنحسر، حتى واجه المجتمع الأردني جريمة إرهابية جديدة استهدفت أحد مرتبات الأمن العام في عمّان وأودت بحياته. ويعيد وقوع هاتين الجريمتين خلال مدة قصيرة إلى الواجهة خطورة الإرهاب على أمن المجتمع واستقراره، ويفرض الانتقال من التعامل مع كل جريمة بوصفها حادثة منفصلة إلى مراجعة شاملة للمنظومة التشريعية، بما يعزز قدرة الدولة على منع الجرائم الإرهابية قبل وقوعها.
وتبدأ هذه المراجعة من قانون منع الإرهاب رقم (55) لسنة 2006، الذي لم يطرأ عليه منذ صدوره سوى تعديل واحد عام 2014، رغم تطور الفكر الإرهابي، وتوسع أنشطة التنظيمات المتطرفة وأساليب تمويلها وتجنيد عناصرها، واستغلالها للتكنولوجيا الحديثة. وهو ما يستدعي مراجعة أحكام القانون ومدى مواكبته للتحولات التي طرأت على الجرائم الإرهابية ووسائل ارتكابها.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى تعديل المادة (7/ج) التي تقرر عقوبة الأشغال المؤقتة لجرائم منصوص عليها في المادة (3)، دون تمييز كاف بين تأسيس التنظيمات الإرهابية وقيادتها وتمويلها وتدريب عناصرها، وبين مجرد الانضمام إليها. ويمكن الاستفادة من قانون مكافحة الإرهاب المصري رقم (94) لسنة 2015، الذي يقرر الإعدام أو السجن المؤبد لمؤسسي الجماعات الإرهابية وقياداتها، ومن القانون الإماراتي رقم (7) لسنة 2014 الذي يأخذ بتدرج مماثل في العقوبات، بما يستدعي تشديد العقوبات الأردنية على قيادات التنظيمات الإرهابية ومموليها ومدربي عناصرها، وفقا لخطورة أفعالهم.
كما تستدعي المراجعة تطوير أحكام تمويل الإرهاب، والاستفادة من التجربة المصرية التي تميز بين تمويل الفرد الإرهابي وتمويل الجماعة أو العمل الإرهابي، وتقرر عقوبات تصل إلى الإعدام في الحالات الأخيرة. وقد وسع المشرع المصري عام 2020 مفهوم الأموال ليشمل الأصول الافتراضية، وهو ما يدعو إلى مراجعة الأحكام الأردنية المتعلقة بتمويل الإرهاب، وتوضيح انطباقها على صور الدعم المستحدثة ووسائل التمويل الرقمية.
وإلى جانب تشديد العقوبات، تبرز أهمية تفعيل تنفيذ أحكام الإعدام القطعية الصادرة في جرائم الإرهاب، انسجاما مع الموقف الملكي الحازم إزاء الجريمة الإرهابية التي استهدفت الكنيسة في الكرك، حيث أكد جلالة الملك أن الأردن سيواجه هذا العمل الإرهابي بأشد العقوبات، في رسالة واضحة تؤكد ضرورة إنفاذ القانون ومحاسبة مرتكبي الجرائم الإرهابية.
وتمتد المراجعة إلى قانون مراكز الإصلاح والتأهيل رقم (9) لسنة 2004، وخاصة المادة (34) التي تتيح الإفراج عن النزيل بعد قضاء ثلاثة أرباع محكوميته، والمادة (35) التي تجيز الإفراج عن المحكوم بالأشغال المؤبدة بعد عشرين سنة إذا كان حسن السلوك. ويمكن الاستفادة من القانون الإماراتي الذي تستثني المادة (53) منه العقوبات المقيدة للحرية المحكوم بها في الجرائم الإرهابية من الإفراج المبكر، وهو ما يستدعي استثناء المحكوم عليهم بجرائم الإرهاب الخطيرة من الإفراج المبكر في التشريع الأردني، وضمان تنفيذ كامل العقوبات الصادرة بحقهم.
ويرتبط بذلك ضرورة تفعيل أحكام تصنيف النزلاء المنصوص عليها في المادة (11)، بما يضمن فصل المحكوم عليهم بجرائم الإرهاب الذين تثبت خطورتهم عن بقية النزلاء، ومنع استغلال مراكز الإصلاح والتأهيل لنشر الفكر المتطرف أو تجنيد عناصر جديدة. كما تبرز أهمية إخضاعهم لبرامج متخصصة في المناصحة والتأهيل الفكري، مع إجراء تقييمات سلوكية دورية لقياس استجابتهم والتحقق من تراجع خطورتهم على المجتمع.
ولا تكتمل المراجعة التشريعية دون تنظيم المتابعة اللاحقة للإفراج عن المحكوم عليهم بجرائم الإرهاب، باستحداث تدابير احترازية قضائية محددة المدة بحق من تثبت استمرار خطورتهم، تشمل المراقبة الإلكترونية والمراجعة الدورية للجهات المختصة، وذلك وفق ضمانات قانونية ورقابة قضائية واضحة.
إن مواجهة الإرهاب تتطلب سياسة تشريعية وأمنية متكاملة، لا تقتصر على تشديد العقوبات، بل تمتد إلى منع الجرائم قبل وقوعها، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية، وتطوير الرقابة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل وخارجها. فحماية أرواح المواطنين وصون هيبة الدولة يقتضيان مراجعة مستمرة للتشريعات، تحول دون إعادة إنتاج التطرف والإرهاب في المجتمع.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية