لماذا ينتظر بعض الرجال حتى يشتد الألم أو تتفاقم الأعراض قبل التوجه إلى الطبيب؟ ولماذا ينظر البعض إلى الشكوى من المرض أو طلب المساعدة الطبية باعتبارهما علامة ضعف، بدلاً من كونهما سلوكاً يعكس الوعي والمسؤولية؟
مع حلول شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وعودة حملة «موفمبر» العالمية للتوعية بصحة الرجال، يتجدد النقاش حول ظاهرة تأجيل الرعاية الصحية، وما يرتبط بها من معتقدات اجتماعية ونفسية واقتصادية تجعل بعض الرجال أقل اهتماماً بالفحوص الوقائية وأكثر ميلاً إلى تجاهل الأعراض.
قد يشعر الرجل بألم متكرر في الصدر، أو يلاحظ تغيراً غير مألوف في جسده، أو يعاني إرهاقاً مستمراً، لكنه يفضل الانتظار، معتقداً أن الأمر عابر وسيزول من تلقاء نفسه. وقد يستمر هذا التجاهل أسابيع أو أشهراً، إلى أن تصبح الأعراض أكثر حدة أو تؤثر في قدرته على ممارسة حياته اليومية.
ولا يعني هذا السلوك أن جميع الرجال يهملون صحتهم، لكنه يمثل تحدياً صحياً يستحق الاهتمام، خصوصاً أن بعض الأمراض المزمنة والخطيرة قد تتطور بصمت لسنوات قبل ظهور أعراض واضحة.
وتكشف بيانات أمريكية مستندة إلى المسح الوطني للمقابلات الصحية لعام 2024 أن 87.1% من الرجال لديهم جهة معتادة للحصول على الرعاية الصحية، مقابل 93.3% من النساء. ورغم أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة إهمال الرجال لصحتهم، فإنها تشير إلى وجود فجوة في الانتظام في الحصول على الخدمات الصحية.
موفمبر.. شارب من أجل صحة الرجال
انطلقت مبادرة «موفمبر» في أستراليا عام 2003، عندما قررت مجموعة من الرجال إطلاق شواربهم خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني بهدف لفت الانتباه إلى صحة الرجل وتشجيع الحوار حول القضايا الصحية التي غالباً ما يجري تجاهلها.
وجاء اسم الحملة من دمج كلمتي الشارب (Moustache) ونوفمبر (November)، قبل أن تتحول المبادرة تدريجياً إلى حركة عالمية تدعم التوعية الصحية وتمويل الأبحاث والبرامج المتخصصة.
وتركز الحملة على ثلاثة محاور رئيسية: سرطان البروستاتا، وسرطان الخصية، والصحة النفسية والوقاية من الانتحار.
لكن رسالتها تتجاوز مجرد إطلاق الشوارب أو المشاركة في فعاليات توعوية؛ إذ تدعو إلى كسر الصمت المحيط بصحة الرجال، وترسيخ فكرة أن الاهتمام بالجسم والنفس يجب أن يكون جزءاً من الحياة اليومية، وليس مجرد رد فعل عند الإصابة بالمرض.
لماذا يؤجل بعض الرجال زيارة الطبيب؟
لا يرتبط تأجيل الرعاية الطبية بسبب واحد، بل ينتج غالباً عن تداخل عوامل نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية. وقد بينت دراسات أن بعض الرجال يتأثرون بالتصورات التقليدية للرجولة، وضغوط العمل، والخوف من التشخيص، والحرج من الحديث عن بعض المشكلات الصحية.
كما أظهرت دراسة نوعية نُشرت عام 2018 في مجلة «American Journal of Men's Health» أن المعايير الاجتماعية المرتبطة بالرجولة، إلى جانب ضغوط العمل ومواقف المحيط الاجتماعي، قد تؤثر في استعداد الرجال لطلب المساعدة الطبية.
وفي المجال النفسي، كشفت دراسة منشورة عام 2020 في مجلة «الرعاية الأولية وصحة المجتمع» الأمريكية، وشملت 117 رجلاً يعانون أعراض اكتئاب متوسطة الشدة، أن 8.5% فقط من المشاركين كانوا يتلقون مساعدة نفسية متخصصة وقت إجراء الدراسة.
وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لا تتعلق دائماً بغياب الوعي، بل قد ترتبط بمعتقدات راسخة وظروف تجعل طلب المساعدة أمراً صعباً أو محرجاً لدى البعض.
ثقافة التحمل.. عندما تتحول القوة إلى صمت
ينشأ بعض الرجال على عبارات مثل «الرجل لا يشتكي»، و«تحمل الألم»، و«لا تظهر ضعفك أمام الآخرين». ومع تكرار هذه الرسائل، قد يترسخ الاعتقاد بأن الاعتراف بالمرض أو التعبير عن الألم يتعارض مع صورة الرجل القوي.
ورغم أن الصبر والتحمل من الصفات الإيجابية، فإنهما يصبحان مشكلة عندما يدفعان الإنسان إلى تجاهل إشارات جسمه أو الامتناع عن طلب المساعدة.
فالألم ليس دليلاً على ضعف الشخصية، وإنما إشارة بيولوجية قد تنبه إلى وجود مشكلة صحية تحتاج إلى التقييم.
وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من تأثير بعض التصورات التقليدية الصارمة المرتبطة بالرجولة في السلوكيات الصحية، إذ يمكن أن تحد من استعداد الرجال لطلب الرعاية الطبية والنفسية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف القوة؛ فهي لا تعني تحمل المعاناة في صمت، بل اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
الخوف من التشخيص.. الهروب الذي لا يمنع المرض
قد يلاحظ الرجل أعراضاً غير معتادة، لكنه يتجنب زيارة الطبيب خوفاً من اكتشاف مرض خطير، مثل السرطان أو أمراض القلب أو السكري.
ويمنحه هذا التجنب شعوراً مؤقتاً بالراحة، لأنه يؤجل مواجهة احتمال يثير قلقه، لكنه لا يغير حقيقة ما يحدث داخل الجسم.
فعدم معرفة الإنسان بوجود المرض لا تعني عدم وجوده، وقد يستمر المرض في التطور بصرف النظر عن رغبة الشخص في تجاهله.
وفي بعض الحالات، يؤدي التأخر في التشخيص إلى ضياع فرص للاستفادة من العلاج المبكر، أو إلى اكتشاف المشكلة بعد حدوث مضاعفات كان من الممكن الحد منها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول التوعية الصحية إلى تخويف أو دعوة لإجراء فحوص عشوائية، بل يجب أن تقوم على معرفة الأعراض المهمة وتقييم عوامل الخطورة وطلب المشورة الطبية عند الحاجة.
الحرج من المشكلات الصحية الخاصة
هناك مشكلات صحية يجد بعض الرجال صعوبة في الحديث عنها، خصوصاً تلك المرتبطة بالصحة الجنسية والخصوبة والتبول والصحة النفسية.
ومن أمثلتها ضعف الانتصاب، والتغيرات التي تصيب الخصيتين، واضطرابات التبول، والقلق والاكتئاب.
وقد يدفع الخوف من الإحراج أو الحكم الاجتماعي بعض الرجال إلى إخفاء هذه الأعراض، أو اللجوء إلى علاجات غير موثوقة، أو تأجيل الاستشارة الطبية رغم استمرار المشكلة.
لكن هذه الاضطرابات حالات طبية لها أسباب متعددة، ولا علاقة لها بقيمة الإنسان أو رجولته.
فعلى سبيل المثال، قد يرتبط ضعف الانتصاب بأسباب وعائية أو عصبية أو هرمونية أو نفسية، وقد يكون أحياناً مؤشراً مبكراً على وجود عوامل خطورة لأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين.
كما أن الاكتئاب والقلق ليسا دليلاً على ضعف الإرادة، بل حالتان صحيتان تستحقان التقييم والعلاج المناسب.
العمل والتكاليف.. عوائق لا تقل أهمية
لا يمكن تفسير تأخر بعض الرجال في مراجعة الأطباء بالخوف أو الخجل وحدهما، فهناك عوائق عملية واقتصادية تجعل الحصول على الرعاية الصحية أمراً صعباً.
فساعات العمل الطويلة، والمسؤوليات الأسرية، وصعوبة الحصول على إجازة، والخوف من خسارة جزء من الدخل، وارتفاع تكاليف الاستشارات والفحوص، كلها أسباب قد تدفع الرجل إلى تأجيل زيارة الطبيب، خصوصاً إذا لم تكن الأعراض شديدة.
وتزداد هذه التحديات لدى أصحاب الأعمال اليومية والوظائف غير المستقرة، أو الذين لا يتمتعون بتغطية صحية كافية.
لذلك، فإن تحسين صحة الرجال لا يتطلب توعيتهم بأهمية الفحص فقط، بل يستدعي أيضاً توفير مواعيد مرنة، وتيسير الوصول إلى الخدمات الطبية، وتقليل الأعباء المالية والمهنية المرتبطة بالحصول على الرعاية.
أمراض صامتة قد تتطور دون أعراض
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن غياب الألم أو الأعراض يعني بالضرورة أن الجسم يتمتع بصحة جيدة.
فبعض الأمراض قد تتطور تدريجياً دون أن يشعر المصاب بوجود مشكلة، ومن أبرزها:
ارتفاع ضغط الدم: قد يستمر سنوات دون أعراض واضحة، لكنه يزيد مع الوقت خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية وأمراض الكلى.
السكري من النوع الثاني: قد يرتفع مستوى السكر في الدم تدريجياً دون علامات واضحة، بينما تبدأ تأثيراته في الأوعية الدموية والأعصاب والكلى والعينين.
ارتفاع الكوليسترول: لا يسبب عادة أعراضاً مباشرة، لكنه قد يؤدي إلى تراكم الترسبات داخل الشرايين وزيادة مخاطر أمراض القلب.
أمراض الكلى المزمنة: قد تتراجع وظائف الكلى تدريجياً دون أعراض ملحوظة، خصوصاً لدى المصابين بالسكري أو ارتفاع ضغط الدم.
بعض أنواع السرطان: قد تتطور أورام مثل سرطان القولون والمستقيم أو سرطان البروستاتا دون علامات واضحة في مراحلها المبكرة.
لكن وجود أمراض صامتة لا يعني ضرورة إجراء جميع الفحوص لكل الأشخاص؛ إذ ينبغي تحديد الفحوص الوقائية وفق العمر والتاريخ العائلي والحالة الصحية وعوامل الخطورة والأدلة العلمية.
ما الفحوص التي يحتاج إليها الرجل؟
لا ينبغي أن ينتظر الرجل ظهور الأعراض حتى يبدأ الاهتمام بصحته. فالفحوص الوقائية تساعد على اكتشاف بعض الأمراض وعوامل الخطورة قبل حدوث المضاعفات، لكن اختيارها يعتمد على الحالة الفردية.
ومن أبرز الفحوص والتقييمات التي تستحق المناقشة مع الطبيب:
قياس ضغط الدم: يُنصح به لجميع البالغين، حتى في غياب الأعراض، مع تحديد وتيرة القياس وفق العمر ومستوى الخطورة.
فحص السكري: توصي معايير الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2026 ببدء التحري عن السكري ومقدماته عند سن 35 عاماً، وقد يكون الفحص مطلوباً في سن أصغر عند وجود زيادة الوزن وعوامل خطورة أخرى.
فحص الكوليسترول والدهون: يساعد على تقييم خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، خاصة عند وجود تاريخ عائلي أو عوامل خطورة إضافية.
الكشف عن سرطان القولون والمستقيم: توصي الإرشادات الأمريكية ببدء الفحص المنتظم عند سن 45 عاماً للأشخاص متوسطي الخطورة، مع اختلاف التوصيات وفق التاريخ العائلي والحالة الصحية.
الكشف عن سرطان البروستاتا: لا يُنصح بإجراء تحليل المستضد النوعي للبروستاتا (PSA) تلقائياً لجميع الرجال بعد سن الخمسين. وينبغي مناقشة فوائده وأضراره مع الطبيب، خصوصاً لدى الرجال بين 55 و69 عاماً.
الكشف عن سرطان الرئة: قد يُنصح بالتصوير المقطعي منخفض الجرعة سنوياً للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و80 عاماً، ولديهم تاريخ تدخين يبلغ 20 علبة سنوياً على الأقل، وما زالوا يدخنون أو أقلعوا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
كما ينبغي الاهتمام بتقييم الصحة النفسية، ومراجعة التطعيمات، ومناقشة جودة النوم والنشاط البدني والتدخين، وفحص وظائف الكلى عند وجود عوامل خطورة تستدعي ذلك.
والأهم أن الفحص الجيد ليس الأكثر عدداً، بل الفحص الذي تتجاوز فوائده أضراره لدى الشخص المناسب وفي الوقت المناسب.
علامات تحذيرية لا يجوز تجاهلها
حتى مع وجود أمراض صامتة، يرسل الجسم أحياناً إشارات تحذيرية تستوجب الانتباه والتقييم الطبي.
ومن أبرزها:
ألم الصدر أو الشعور بالضغط فيه، خصوصاً إذا صاحبه ضيق التنفس أو التعرق البارد أو الغثيان، وهي أعراض قد تشير إلى حالة قلبية طارئة.
ضعف مفاجئ في أحد أطراف الجسم، أو تدلي الوجه، أو اضطراب الكلام، وهي علامات محتملة للسكتة الدماغية تستوجب طلب الإسعاف فوراً.
فقدان الوزن دون سبب واضح، خصوصاً إذا استمر أو ترافق مع أعراض أخرى.
ظهور دم في البول أو البراز، حتى في غياب الألم.
تغيرات مستمرة في التبول، مثل ضعف تدفق البول أو صعوبة البدء أو زيادة التكرار بصورة غير معتادة.
ظهور كتلة أو تغير جديد في إحدى الخصيتين، حتى لو لم يكن مصحوباً بالألم.
التعب المستمر أو ضيق التنفس عند بذل مجهود كان الشخص يتحمله سابقاً.
الحزن المستمر وفقدان الاهتمام بالحياة، خصوصاً عند ظهور أفكار إيذاء النفس أو الانتحار، وهي حالة تتطلب مساعدة عاجلة.
الصحة النفسية.. معاناة لا ينبغي إخفاؤها
غالباً ما ينصب الاهتمام بصحة الرجال على القلب والسكري والسرطان، بينما لا تحظى الصحة النفسية بالاهتمام الكافي.
فقد يعاني الرجل القلق أو الاكتئاب أو الضغوط النفسية الشديدة دون أن يطلب المساعدة، إما لعدم قدرته على التعرف إلى الأعراض، أو خوفاً من نظرة الآخرين، أو اعتقاداً منه بأن عليه مواجهة مشكلاته بمفرده.
وفي بعض الحالات، لا يظهر الضيق النفسي في صورة حزن واضح، بل قد يتجلى في التهيج والعزلة واضطرابات النوم والإفراط في العمل أو اللجوء إلى سلوكيات ضارة.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن بعض التصورات التقليدية للرجولة قد تشكل عائقاً أمام طلب المساعدة النفسية.
لذلك، من الضروري توفير بيئة تسمح للرجل بالتعبير عن معاناته دون خوف من الانتقاد أو الوصم، وتعزيز الوعي بأن الصحة النفسية جزء أساسي من الصحة العامة.
فطلب المساعدة النفسية لا يعني الفشل، تماماً كما أن زيارة طبيب القلب عند ظهور أعراض مقلقة لا تعني ضعف الشخصية.
الوقاية تبدأ من نمط الحياة
لا تقتصر الوقاية على التحاليل والفحوص الطبية، بل تبدأ أيضاً من العادات اليومية التي تؤثر في صحة الجسم على المدى الطويل.
ويمكن للنشاط البدني المنتظم، واتباع نظام غذائي متوازن، والمحافظة على وزن صحي، والامتناع عن التدخين، وتحسين جودة النوم، ومراقبة ضغط الدم والسكر والكوليسترول، أن تسهم في تقليل مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.
ومع ذلك، لا تعني الوقاية ضمان عدم الإصابة بالمرض؛ فقد يتعرض أشخاص يتبعون أنماط حياة صحية لمشكلات صحية لأسباب وراثية أو بيولوجية أو بيئية خارجة عن إرادتهم.
ولهذا، ينبغي أن تكون التوعية الصحية وسيلة لتمكين الإنسان من اتخاذ قرارات أفضل، لا لتحميل المرضى مسؤولية إصابتهم بالأمراض.
القوة الحقيقية أن تهتم بصحتك
إن تغيير علاقة الرجال بصحتهم يبدأ من مراجعة بعض الأفكار التي تربط الرجولة بالصمت وتحمل الألم مهما كانت الظروف.
فالرجل الذي يراجع الطبيب عند الحاجة لا يصبح أقل قوة، والذي يتحدث عن معاناته النفسية لا يفقد كرامته، والذي يخضع لفحص وقائي لا يعني أنه يبالغ في القلق على صحته.
بل إن الاهتمام بالصحة يعكس وعياً بقيمة الحياة ومسؤولية تجاه الذات والأسرة والمجتمع.
وتحمل حملة «موفمبر» رسالة تتجاوز الدعوة إلى إجراء الفحوص أو زيارة الطبيب؛ إنها دعوة إلى تغيير المفهوم التقليدي للقوة، والتخلي عن ثقافة الصمت عندما يتعلق الأمر بالصحة.
فالقوة الحقيقية ليست في تحمل الألم حتى النهاية، بل في امتلاك الشجاعة والوعي لطلب المساعدة قبل أن تتحول المشكلة البسيطة إلى خطر كبير.
فالرجولة لا تعني أن تتحمل المرض بصمت.. بل أن تحافظ على صحتك قبل فوات الأوان.