في ظل ضعف التمويل ومحدودية الإمكانات، يبحث العلماء العرب عن طرق مبتكرة لمواصلة التقدم العلمي، مستفيدين من البيانات المفتوحة، والتقنيات منخفضة التكلفة، والموارد المحلية، والشراكات الدولية لمنافسة كبرى المختبرات العالمية.
لم تعد الإنجازات العلمية حكرا على المختبرات الضخمة أو المؤسسات التي تمتلك ميزانيات بمليارات الدولارات؛ فقد أثبتت تجارب بحثية عربية أن المعرفة والابتكار وحسن استغلال الموارد المتاحة يمكن أن تفتح آفاقا جديدة للبحث العلمي، حتى باستخدام حواسيب مكتبية وإمكانات محدودة.
ومن أبرز هذه التجارب توظيف تقنيات النانو لتطوير أدوية موجودة بالفعل، بدلا من تحمل التكلفة الباهظة والسنوات الطويلة اللازمة لاكتشاف عقاقير جديدة. ففي مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بمصر، عمل باحثون على تطوير طريقة لتوصيل عقار «الدوكسوروبيسين» المضاد للسرطان باستخدام تقنية النانو، بهدف تحسين استهداف الخلايا السرطانية والحد من تأثيره في الخلايا السليمة.
ويؤكد الدكتور إبراهيم الشربيني، رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا بمدينة زويل، أن تطوير الأدوية المعروفة وتحسين كفاءتها يمثل فرصة مهمة للباحثين العرب، إذ لا يتطلب بالضرورة الاستثمارات الضخمة التي يحتاج إليها اكتشاف دواء جديد، والذي قد يستغرق تطويره نحو 12 عاما.
ولا تقتصر هذه الإمكانات على المجال الطبي، بل تمتد إلى تطوير الأسمدة وفلاتر معالجة المياه وغيرها من المنتجات، من خلال تحسين خصائصها باستخدام المواد النانوية.
البيانات المفتوحة.. مختبر بلا جدران
يمثل تحليل البيانات المتاحة بالفعل أحد المسارات الواعدة أمام الباحثين العرب، إذ يتيح الوصول إلى نتائج علمية جديدة دون الحاجة إلى جمع عينات أو إجراء تجارب مخبرية مكلفة.
ويشير الدكتور طارق قابيل، الأستاذ المتفرغ بقسم التقنية الحيوية في جامعة القاهرة وعضو فريق الخبراء الدوليين بمنظمة اليونسكو لتقرير الثقافة العلمية، إلى أن إعادة تحليل البيانات المنشورة يمكن أن تقود إلى اكتشافات جديدة، مع الاكتفاء بإمكانات حاسوبية محدودة نسبيا.
ومن الأمثلة على ذلك دراسة أجراها باحثون في الإمارات، أعادوا خلالها تحليل بيانات جينية من الشرق الأوسط متاحة بصورة علنية، وتمكنوا من رصد عشرات الآلاف من الاختلافات البنيوية في المادة الوراثية، بينها تغيرات لم تكن مسجلة من قبل.
وفي المغرب، استخدم فريق بحثي من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء البيانات الجينية المفتوحة وتقنيات التعلم الآلي للبحث عن مؤشرات وراثية محتملة مرتبطة بمرض التصلب الجانبي الضموري.
وتمكن الفريق من تحديد 1890 اختلافا جينيا مرشحا، بالاعتماد على حاسوب مكتبي بمعالج «إنتل كور i5» وذاكرة عشوائية تبلغ 16 غيغابايت، إلى جانب برمجيات تحليل متاحة، دون الحاجة إلى إجراء تجارب مخبرية جديدة في إطار الدراسة.
وتكشف هذه التجارب أن قيمة البحث العلمي لا ترتبط دائما بقوة الأجهزة، بل بقدرة الباحث على طرح أسئلة جديدة واستخلاص نتائج مهمة من المعلومات المتاحة.
التكنولوجيا الحيوية.. ثروات في المخلفات
تقدم التكنولوجيا الحيوية مجالا آخر يمكن للباحثين العرب تحقيق تقدم ملموس فيه، خصوصا أنها تعتمد على استخدام الكائنات الدقيقة والإنزيمات لمعالجة مشكلات بيئية وصناعية محلية.
ومن أبرز التطبيقات الممكنة تحويل المخلفات الزراعية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، ومعالجة المياه والتربة الملوثة، والاستفادة من الإنزيمات التي تنتجها الكائنات الدقيقة المحلية.
وفي مصر، اتجه باحثون إلى دراسة بكتيريا معزولة من سماد عضوي ناتج عن المخلفات الزراعية، واختبروا قدرتها على إنتاج إنزيمي السليولاز والزيلانيز، اللذين يسهمان في تفكيك الألياف النباتية.
وتمكن الباحثون من تحديد الظروف المناسبة لتعزيز إنتاج الإنزيمين ونشاطهما، بما يمهد لأبحاث مستقبلية تستهدف الاستفادة منهما في معالجة المخلفات الزراعية وتحويلها إلى منتجات نافعة.
ويرى قابيل أن هذه النوعية من الأبحاث تستفيد من الخامات المتاحة محليا، لكنها تحتاج عند الانتقال إلى التطبيق الصناعي إلى تعاون فعلي بين الجامعات والشركات، إلى جانب تقييم الجدوى الاقتصادية والتكلفة.
التعاون الدولي.. تقاسم الإمكانات
لا يعني ضعف الإمكانات المحلية ضرورة العمل بمعزل عن العالم؛ فالشراكات الدولية تتيح للباحثين الاستفادة من الأجهزة والخبرات التي يصعب توفيرها داخل مؤسساتهم.
ويؤكد الدكتور خالد إدبي، أستاذ الكيمياء بجامعة بنغازي في ليبيا، أن توجيه الأبحاث نحو المشكلات المحلية، والاستفادة من الموارد الطبيعية، وبناء شراكات مع المؤسسات العلمية الخارجية، يمكن أن يساعد في تجاوز كثير من العقبات.
ويمكن للباحثين، على سبيل المثال، تنفيذ مراحل تحضير المواد ودراستها داخل مختبراتهم المحلية، ثم الاستعانة بمراكز بحثية دولية لإجراء التحاليل المتقدمة التي لا تتوافر أجهزتها محليا.
ولا تقتصر فوائد هذا التعاون على إنجاز الأبحاث، بل تشمل تدريب الباحثين الشباب، وتكوين فرق علمية متخصصة، ورفع جودة النشر العلمي، وتحويل النتائج إلى تطبيقات تخدم قطاعات الصحة والبيئة والصناعة.
لكن إدبي يشدد على أن قدرة العلماء على الابتكار في ظل محدودية الموارد لا تعني أن استمرار نقص التمويل أمر مقبول، فالحلول الفردية والتعاون الدولي لا يمكن أن يحلا محل وجود منظومة بحثية متكاملة وتمويل مستدام.
الهندسة العكسية.. ابتكار من قلب الأزمة
في العراق، برزت الهندسة العكسية بوصفها أحد الحلول التي ساعدت المؤسسات البحثية على التعامل مع تضرر البنية التحتية وصعوبة استيراد الأجهزة المعقدة.
ويقول الدكتور ناصر الراوي، رئيس قسم هندسة الليزر والإلكترونيات البصرية بجامعة دجلة، إن الكوادر العراقية اتجهت إلى صيانة الأجهزة المتضررة وإعادة تأهيلها باستخدام المواد المتاحة في السوق المحلية، بدلا من الاعتماد الكامل على استيراد معدات جديدة.
وتجاوزت هذه الجهود مرحلة الإصلاح إلى تطوير أجهزة محليا، وتأهيل الباحثين والطلبة، والاستفادة من الخبرات المكتسبة في تصميم معدات أكثر كفاءة وأقل حجما.
ومن الأمثلة على ذلك صيانة وتصنيع أجهزة الليزر الصناعية، والعمل على تقليص حجم بعض الأجهزة التي كانت تحتاج إلى مساحات كبيرة، وتحويلها إلى نماذج أصغر وأكثر ملاءمة للإمكانات المتاحة.
وتعكس هذه التجربة أهمية توظيف المعرفة الهندسية في مواجهة الأزمات، وتحويل نقص الموارد إلى دافع للبحث عن حلول مبتكرة.
نماذج عربية لبناء منظومة علمية
لا تقتصر محاولات تطوير البحث العلمي على المبادرات الفردية، بل تمتد إلى بناء مؤسسات تتيح للباحثين الاستفادة المشتركة من التجهيزات المتقدمة.
وتشير مراجعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نُشرت عام 2026 إلى ارتفاع نسبة الأبحاث المصرية المنجزة بالتعاون مع فرق دولية من نحو 25% عام 2013 إلى 34% عام 2022، وهو ما يعكس تنامي أهمية الشراكات العلمية العابرة للحدود.
ويبرز مركز «سيسامي» في الأردن نموذجا مهما لهذا التوجه، إذ يوفر للباحثين إمكانية استخدام ضوء السنكروترون لإجراء دراسات متقدمة على المواد والأنظمة الحيوية والأحافير وغيرها من المجالات التي تتطلب تجهيزات باهظة الثمن.
وبدلا من أن تتحمل كل جامعة تكلفة شراء أجهزة متقدمة بصورة منفردة، يمكن للباحثين المؤهلين الاستفادة من خطوط التجارب المتاحة في المركز، وإجراء القياسات بالتعاون مع خبرائه، ثم استكمال تحليل النتائج في مؤسساتهم البحثية.
وقد أسهم التعاون الأوروبي في تطوير تجهيزات المركز وتدريب العاملين فيه، كما وفر تمويلا بقيمة 6 ملايين يورو لإنشاء خط للتصوير بالأشعة السينية.
وتؤكد هذه التجربة أن تقاسم البنية التحتية البحثية قد يكون أكثر فاعلية وأقل تكلفة من محاولة امتلاك كل مؤسسة علمية لجميع الأجهزة التي تحتاج إليها.
هل يستطيع البحث العربي المنافسة بإمكانات محدودة؟
تتفق النماذج السابقة على أن ضعف التمويل لا يعني استحالة تحقيق إنجازات علمية، لكنه يفرض على الباحثين اختيار المجالات التي يمكن أن تحقق أفضل النتائج بأقل التكاليف.
وتتمثل أبرز الفرص في استثمار البيانات المفتوحة، وتطوير المنتجات والأدوية القائمة باستخدام تقنيات النانو، وتوظيف التكنولوجيا الحيوية في معالجة المشكلات المحلية، وتصنيع الأجهزة وصيانتها محليا، إلى جانب توسيع التعاون بين الجامعات والمراكز البحثية الدولية.
ومع ذلك، فإن الانتقال من النجاحات الفردية إلى منافسة علمية مستدامة يتطلب أكثر من اجتهاد الباحثين؛ فهو يحتاج إلى تمويل مستقر، ومؤسسات قوية، وبيئة تشجع الابتكار، وشراكات حقيقية مع القطاع الصناعي.
فالرهان الحقيقي ليس على إنجاز بحث علمي بحاسوب متواضع أو مختبر محدود الإمكانات فحسب، بل على تحويل هذه المبادرات إلى منظومة قادرة على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا وتحقيق أثر ملموس في حياة المجتمعات العربية.