لماذا نتذكر مشاهد من مسلسلات شاهدناها قبل سنوات طويلة، بينما نعجز أحيانا عن تذكر أحداث فيلم شاهدناه قبل أيام، أو حتى أسماء شخصيات مسلسل تابعنا حلقاته بشغف؟
هذه المفارقة لا تعني بالضرورة أن ذاكرتنا أصبحت أضعف، بل قد تكون انعكاسا لتغير أساليب المشاهدة، وتزايد المحتوى الذي نتعرض له يوميا، فضلا عن المشتتات التي تنافس الشاشة على انتباهنا.
وفرة المحتوى تربك الذاكرة
في الماضي، كانت مشاهدة المسلسلات ترتبط بمواعيد عرض محددة، وكان الجمهور ينتظر حلقة جديدة كل أسبوع، مما يمنح الأحداث وقتا لتترسخ في الذاكرة. أما اليوم، فقد أصبح الوصول إلى مواسم كاملة من المسلسلات ومئات الأفلام متاحا بضغطة زر عبر منصات البث، بالتزامن مع التدفق المتواصل للمقاطع القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومع هذا الكم الهائل من المحتوى، تتزاحم التجارب الجديدة وتتداخل تفاصيل الأعمال المتشابهة في الشخصيات أو الأحداث، ما يجعل استرجاع قصة كل فيلم أو مسلسل أكثر صعوبة.
كما تختلف قدرات الأشخاص على التذكر؛ فهناك من يسهل عليه استحضار الوجوه والأحداث، بينما يتميز آخرون بتذكر الأسماء أو المعلومات التي يقرؤونها. لذلك، لا يرتبط نسيان الأعمال الفنية بالضرورة بوجود مشكلة في الذاكرة.
المشاهدة المتواصلة لا تعني ذاكرة أقوى
من أبرز التغيرات التي فرضتها منصات البث إمكانية مشاهدة موسم كامل في جلسة واحدة، وهو ما يُعرف بالمشاهدة المتواصلة أو المتتابعة.
لكن أبحاث الذاكرة تشير إلى أن توزيع المشاهدة على فترات زمنية قد يساعد على الاحتفاظ بالمعلومات مدة أطول، وهي ظاهرة تُعرف باسم «تأثير التباعد».
وفي دراسة أجرتها جامعة ملبورن عام 2017، شاهد المشاركون مسلسلا مكونا من 6 حلقات وفق ثلاثة أنماط: حلقة أسبوعيا، أو حلقة يوميا، أو الحلقات الست دفعة واحدة.
وأظهرت النتائج أن المجموعة التي شاهدت المسلسل كاملا في جلسة واحدة حققت نتائج أفضل في اختبار الذاكرة المباشر، لكن قدرتها على تذكر الأحداث تراجعت بصورة أسرع مع مرور الوقت.
وعندما أعاد الباحثون الاختبار بعد نحو 140 يوما، ظهر تفوق المجموعتين اللتين شاهدتا الحلقات يوميا أو أسبوعيا في الاحتفاظ بالتفاصيل.
وتوضح هذه النتائج أن الشعور بتذكر القصة جيدا بعد انتهاء المشاهدة لا يعني بالضرورة أن تفاصيلها ستبقى حاضرة بعد أشهر، وأن الفواصل الزمنية قد تمنح الدماغ فرصة أفضل لترسيخ المعلومات.
الهاتف يسرق انتباهنا من الشاشة
لا تتوقف المشكلة عند كثرة ما نشاهده، بل تمتد إلى الطريقة التي نشاهده بها.
فقد أصبح استخدام الهاتف أثناء متابعة التلفاز سلوكا شائعا؛ إذ نتفقد الرسائل والإشعارات، ونتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تستمر أحداث الفيلم أو المسلسل أمامنا.
وتشير دراسة نشرت عام 2020 في مجلة «نيتشر» إلى وجود علاقة بين شرود الانتباه وتعدد المهام الإعلامية من جهة، والأداء في اختبارات الذاكرة من جهة أخرى.
واعتمد الباحثون على وسائل لقياس نشاط الدماغ ومؤشرات الانتباه، إلى جانب اختبارات معرفية، لرصد تأثير تشتت الانتباه في الأداء الذهني.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن استخدام الهاتف يؤدي حتما إلى تلف الذاكرة، لكنها توضح أن الانتباه عامل أساسي في قدرتنا على استيعاب المعلومات والاحتفاظ بها.
الإنترنت غيّر طريقة تذكرنا
هناك عامل آخر يفسر تراجع اهتمامنا بحفظ بعض التفاصيل، وهو سهولة الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت.
فلم نعد بحاجة إلى تذكر كل اسم أو معلومة، ما دمنا نستطيع العثور عليها خلال ثوان باستخدام محركات البحث.
وقد تناولت دراسة نشرت عام 2011 في مجلة «ساينس» هذه الظاهرة، وأظهرت أن الأشخاص عندما يتوقعون إمكانية الوصول إلى المعلومات مستقبلا، يصبحون أقل ميلا إلى تذكر المعلومات نفسها، لكنهم يكونون أكثر قدرة على تذكر المكان الذي يمكنهم العثور عليها فيه.
بمعنى آخر، قد تتجه ذاكرتنا إلى الاحتفاظ بمصدر المعلومة بدلا من تفاصيلها، طالما أن استعادتها لاحقا أمر سهل.
كيف نتذكر الأفلام والمسلسلات لفترة أطول؟
لا توجد ضرورة لتذكر كل تفاصيل الأعمال التي نشاهدها، فالغرض الأساسي من الترفيه هو الاستمتاع والاسترخاء، وليس اختبار قدراتنا الذهنية.
لكن إذا أردنا الاحتفاظ بالأحداث والشخصيات مدة أطول، يمكن اتباع بعض العادات البسيطة:
توزيع المشاهدة: مشاهدة الحلقات على فترات بدلا من إنهاء موسم كامل في ليلة واحدة.
تقليل المشتتات: إبعاد الهاتف وإيقاف الإشعارات أثناء متابعة الفيلم أو المسلسل.
استرجاع الأحداث: محاولة تذكر أبرز ما حدث في الحلقة بعد انتهائها، دون الرجوع مباشرة إلى الملخصات.
مناقشة العمل: تبادل الآراء والتوقعات مع الأصدقاء يساعد على استحضار التفاصيل وربط الأحداث.
النوم الجيد: الحصول على قسط كاف من النوم، لما له من دور مهم في تثبيت الذكريات.
في النهاية، قد لا تكون ذاكرتنا هي التي أصبحت أضعف، بقدر ما أصبحت حياتنا أكثر ازدحاما بالمعلومات والمشاهد والمشتتات. فنحن نشاهد أعمالا أكثر من أي وقت مضى، لكننا لا نمنح كل عمل الوقت والانتباه الكافيين ليبقى في ذاكرتنا.