ليس مطلوباً من الأردن أن يعتذر عن حماية حدوده، ولا أن ينتظر حتى يصل الخطر إلى أبواب مواطنيه كي يثبت قدرته على الدفاع عنهم.
ففي منطقة تتنازعها الحروب والصراعات، لا يُقاس الاعتدال بمدى احتمال التهديدات، بل بقدرة الدولة على حماية استقرارها دون الانجرار إلى الفوضى، وحين يصل الإرهاب إلى الكرك، ويسقط أردنيون ضحايا جريمة تستهدف مراسم تشييع داخل كنيسة، تصبح حماية الأمن الوطني مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
من هنا، جاءت عملية (الردع الأردني – حمود)، التي نفذها سلاح الجو الملكي الأردني في الجنوب السوري بالتنسيق مع الحكومة السورية، لتؤكد أن الأردن، الذي تمسك لسنوات بخيارات الحوار والتنسيق، لن يسمح بأن يتحول ضبط النفس إلى مدخل لاستمرار التهديدات التي تمس أمنه وسيادته.
لقد تحمل الأردن أعباء كبيرة نتيجة الأزمة السورية، وواجه تحديات متواصلة تمثلت في تهريب المخدرات والأسلحة، ونشاط التنظيمات الإرهابية ومحاولات التسلل عبر الحدود الشمالية، ورغم التحذيرات والجهود الأمنية، بقيت هذه التهديدات مصدر قلق مباشر للمملكة، ما يجعل حماية الحدود ضرورة وطنية لا تقبل المساومة.
ولا يمكن إغفال خطر تنظيم داعش، الذي شكّل على مدى سنوات تهديداً لأمن الأردن والمنطقة، مستفيداً من الفوضى الأمنية والصراعات التي شهدتها سوريا. فالتجربة أثبتت أن التنظيمات المتطرفة لا تتوقف عند حدود جغرافية، وأن احتواء خطرها يتطلب يقظة أمنية وتعاوناً إقليمياً جاداً. ومن هنا، فإن مواجهة أي خلايا أو أوكار إرهابية تهدد المملكة تمثل ضرورة لحماية أمن المواطنين وصون استقرار الدولة، وتؤكد أن الأردن لن يسمح باستغلال الاضطرابات الإقليمية لتصدير الإرهاب إلى أراضيه
وجاءت العملية في أعقاب الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأسفر، عن استشهاد تسعة أشخاص وإصابة آخرين، وقد تمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على منفذي الهجوم الثلاثة، في خطوة تؤكد كفاءة المؤسسات الأمنية وقدرتها على ملاحقة مرتكبي الجرائم وحماية المجتمع.
ولا تقتصر دلالة الرد الأردني على الجانب العسكري، بل تتجاوز ذلك إلى تأكيد حق الدولة في التعامل مع مصادر التهديد التي تستهدف مواطنيها، فالردع ليس إعلان حرب، وإنما وسيلة لمنع تكرار الاعتداءات ورفع كلفة استهداف الأردن.
واللافت أن العملية نُفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية، بما يعكس أهمية التعاون بين البلدين في مواجهة الإرهاب وشبكات التهريب، فاستقرار الجنوب السوري مصلحة مشتركة، وضبط الحدود مسؤولية تتطلب إجراءات عملية تضمن ألا تتحول الأراضي السورية إلى منطلق لتهديد أمن الأردن.
وفي ظل التعقيدات الإقليمية، بما فيها الوجود الإسرائيلي في الجولان والتداخلات الأمنية في الجنوب السوري، يحتاج الأردن إلى الحفاظ على استقلال قراره وحماية مصالحه الوطنية، بعيداً عن حسابات الآخرين وصراعاتهم. فالمملكة لا تبحث عن نفوذ خارج حدودها، لكنها لن تقبل بأن يدفع شعبها ثمن الفوضى المحيطة بها.
وفي الداخل، تبقى الوحدة الوطنية خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهاب. فاستهداف كنيسة أو مسجد هو اعتداء على الأردن كله، وأمن المواطن المسيحي من أمن المواطن المسلم، ودماء الضحايا مسؤولية وطنية تتجاوز أي انتماء ديني أو اجتماعي، ولن ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه ما دام الأردنيون متمسكين بتماسكهم ورافضين للفتنة والكراهية.
لقد أثبت الأردن، رغم ما أحاط به من أزمات، قدرته على حماية استقراره بفضل مؤسساته الوطنية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية ووعي شعبه، وهذه القوة لا تعني السعي إلى المواجهة، بل امتلاك القدرة على منعها عندما يكون الردع ضرورياً.
الأردن لا يبحث عن الحرب، لكنه لا يقبل أن يكون أمنه مستباحاً، يريد السلام لجيرانه، والاستقرار لمنطقته، والأمان لشعبه، لكنه يعرف أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه، وأن السيادة لا تصان بالتمنيات وحدها.