من وراء الدم؟ جريمة الكرك وسؤال «الوكيل الخفي»

تاريخ النشر : الاثنين 11:48 26-10-2026
حسين هزاع المجالي

لا ينبغي أن يتوقف السؤال في جريمة استهداف كنيسة حمود بمحافظة الكرك عند حدود هوية المنفذين ودوافعهم المباشرة، بل يجب أن يمتد ليشمل احتمال وجود جهة استغلت الفكر المتطرف ووظّفت أصحابه لتنفيذ هجوم تتجاوز أهدافه أبعاد الجريمة ذاتها.

فهل نحن أمام فعل ارتكبه متطرفون بمبادرة ذاتية، أم أن هناك وكيلًا خفيًا يقف خلفهم، ويسعى إلى توظيف العنف لزعزعة استقرار الأردن والإضرار بدوره ومواقفه؟ إنه سؤال مشروع يستحق التحقيق، وإن كانت الإجابة عنه تظل رهينة الأدلة لا الافتراضات.

يتعرض الأردن منذ سنوات لتحديات وضغوط متزايدة تستهدف التأثير في دوره الإقليمي ومواقفه السياسية، وفي مقدمتها موقفه الثابت من القضية الفلسطينية، ورفضه القاطع لتهجير الفلسطينيين، وتمسكه بحقهم في إقامة دولتهم المستقلة.

وفي ظل محاولات إعادة تشكيل المنطقة على حساب الحقوق المشروعة، تبرز أهمية حماية الأردن من كل ما قد يستهدف جبهته الداخلية أو يضعف قدرته على مواصلة دوره السياسي والدبلوماسي.

وتكتسب جريمة استهداف الكنيسة خطورة مضاعفة؛ لأنها لا تمس المسيحيين وحدهم، بل تستهدف قيمنا التي تشكّل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية الأردنية. وأي اعتداء من هذا النوع قد يخلّف آثارًا تتجاوز ضحاياه المباشرين، إذا ما استُغل لإثارة الانقسام بين الأردنيين أو التشكيك في نموذجهم القائم على المواطنة.

ومن هنا، فإن البحث في خلفيات الجريمة لا ينبغي أن يقتصر على أبعادها الميدانية، بل يجب أن يشمل أي مؤشرات على وجود تخطيط أو تحريض أو تمويل من أطراف خارجية أو مستفيدة.

ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية مع استعداد الأردن للاحتفال عام 2030 بمرور ألفي عام على مولد السيد المسيح؛ وهي مناسبة تعزّز مكانة المملكة الدينية والتاريخية، وتسلّط الضوء على مواقعها المسيحية، وفي مقدمتها «المغطس» المرتبط بمعمودية السيد المسيح.

فهل يمكن أن تكون هناك جهة تسعى إلى استهداف هذا النموذج الأردني أو التشويش على مكانة المملكة قبيل هذه المناسبة؟ وهل يكون استهداف الكنيسة محاولةً للإضرار بصورة بلد يقدّم نفسه نموذجًا حقيقيًا للعيش الإسلامي المسيحي؟

وبين خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي أكد فيه حماية المسيحيين وتراثهم، وموقفه الحازم عقب الهجوم الإرهابي في الكرك، تتجلى معركة الأردن في مواجهة الإرهاب وحماية وحدته الوطنية. فاستهداف الكنيسة ليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم، بل على جميع الأردنيين. فهل ندرك جميعًا خطورة الأمر؟ وهل يدرك الأردنيون أن بلدهم مستهدف بالفعل؟

هذه أسئلة تستحق البحث، إلا أن التزامن وحده لا يكفي لإثبات وجود مخطط، كما أن الحديث عن وكيل خفي وظّف الجماعات المتطرفة يتطلب أدلة قاطعة تكشف طبيعة الاتصالات أو التمويل أو التخطيط، إن وُجدت. وهذا ما ستكشفه، في قادم الأيام، عقول الحق في أجهزتنا المختلفة.

وفي السياق نفسه، أثارت الحلقة التي سجّلها الإعلامي الأميركي «تاكر كارلسون» من موقع المغطس نقاشًا حول التعايش الإسلامي المسيحي في الأردن، وأوضاع المسيحيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وما وصفه بإذلالهم. وقد تداخل ذلك مع سجال غربي أوسع بشأن الدين والسياسة ومكانة إسرائيل في تصورات بعض التيارات المسيحية.

ويستحق هذا السياق الانتباه عند قراءة المشهد الإعلامي والسياسي المحيط بالأردن، لكنه يظل قرينة تحليلية لا دليلًا ماديًا على وجود علاقة بين تلك النقاشات والجريمة.

إن جوهر المسألة يكمن في التمييز بين من ينفّذ الجريمة ومن قد يستفيد منها أو يقف وراءها؛ فقد يتحرك المتطرف بدوافع أيديولوجية ذاتية، وقد تستغل جهة أخرى هذه الدوافع لتحقيق غايات سياسية. ولا يمكن تحديد أيّ الاحتمالين ينطبق على جريمة الكرك إلا من خلال التحقيق والأدلة.

وفي جميع الأحوال، فإن مواجهة الخطر تتطلب مسارين متكاملين: الأول، كشف ملابسات الجريمة ومحاسبة المسؤولين عنها؛ والثاني، مواصلة التصدي للفكر التكفيري الذي يبرّر استهداف الآخرين بسبب دينهم أو معتقداتهم. فحماية المسيحيين الأردنيين ودور عبادتهم هي حماية للأردن كله، وصون للعيش الوطني الذي لا يجوز السماح لأي جماعة متطرفة أو جهة مستفيدة بتقويضه.

لقد ظل الأردن متمسكًا بمواقفه تجاه القضية الفلسطينية، وبحماية مقدساته، وبالحفاظ على أمنه وتماسكه الداخلي. ولذلك، فإن كشف الحقيقة في جريمة الكرك يتجاوز تحديد هوية المنفذين المباشرين إلى معرفة ما إذا كانت هناك أطراف أخرى خططت أو حرّضت أو سعت إلى استثمار الاعتداء.

إن معركتنا مع الإرهاب بدأت منذ زمن بعيد، لكننا أصبحنا الآن أمام معركة أكبر؛ لا من حيث خبث وسائلها وعبثية أهدافها فحسب، بل أيضًا من حيث صعوبة اكتشاف خيوطها، وامتداد حاضناتها، وتوافر ما يلزم من مناخات إقليمية ودولية لبقائها واستمرارها. وهذا يعني أن الأدوات التي كنا نستخدمها لمواجهتها أصبحت بحاجة إلى إعادة نظر، كما أن الخطاب الإعلامي والسياسي الذي استخدمناه صار هو الآخر بحاجة إلى مزيد من التطوير والتحديث.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }